للأستاذ إبراهيم عبد القادر المازني
(نعم، لابد مما ليس منه بد. وستنتهي الحياة على كل حال، طال العمر أم قصر، فلم لا أختمها بيدي وأستريح من هذا العذاب؟)
كذلك كان يحدث نفسه وهو جالس إلى مكتبه، وأمامه عدة رسائل كتبها ووضعها في ظروفها، وعنونها، ونشفها، والصق عليها طوابع البريد، ولو أنك في هذه الساعة سألته عن الباعث أو البواعث له على هذا العزم، لقال لك إنها ليست مسألة بواعث، وإنما هي مسألة آلام في معدته لم يبق له صبر عليها، وعجز طب الأطباء عن تخفيفها، وما بقي في البلد طبيب إلا استشاره، وما قرأ إعلانًا في صحيفة عن دواء يلطف هذه الأوجاع إلا اشتراه وجربه، فذهب كل ذلك مع الريح، وكانت معدته توسعه إيلامًكلما أوسعها تطبيبًا، فكأنه لا يضع فيها أشفية، وإنما يضع فيها إبرًا أو أظافر ومخالب وأنيابًا! وما أكل شيئًا إلا نفخه وتخمر في جوفه وفارت منه غازات ترتقي إلى الصدر والقلب وتثقل عليهما وتخزه هنا وهناك فيروح يبلع الفحم قرصًا وراء قرص، والغازات كما هي، لا يمتصها أو يطلقها أو يخفف ضغطها وشكها شيء، فتلفت أعصابه ويئس من الشفاء، وعزم آخر الأمر على الانتحار
وكانت له زوجة وبنون، وبيت طويل عريض فيه خدم وحشم، ولكن آلامه سودت عيشه ونغصت حياته، وحرمته ما كان خليقًا أن يفوز به من المتع، فالموت لا يفقده لذة موجودة، ولعله يريح آله مما يحملهم معه من المتاعب والغصص، ويتيح لهم أن ينعموا بماله، وأن يخلو صفو حياتهم من كدر حياته
أما الرسائل التي أسلفنا الإشارة إليها فكتبها إلى الصحف ينعى نفسه فيها، ويحذر قراءها من الإعلانات المغرية وما تزعمه من قدرة الأدوية على الشفاء السريع، وأخرى كتبها إلى (النيابة) حتى لا تزعج أهل بيته بالسؤال والتحقيق، فان (للنيابة) ولعًا بتقصي أسباب الانتحار كأنما حياة المرء هبة من هذه (النيابة) أو عارية، فهو مسئول عنها قبلها! ولما صح عزمه على الانتحار قعد يفكر في وسائله، وأدواته، ولكنه استقبحها جميعًا، ولم يرض عن واحدة منها، وبدا له أن من السخافة وقلة العقل أن يلقي بنفسه من فوق السطح مثلًا،