للأستاذ عبد المتعال الصعيدي
وأما عتابه فنذكر منه عتابه لصالح الشهرزوري، وكان أبو العتاهية صديقًا له، وآنس الناس به، فسأله أن يكلم الفضل ابن يحيى البرمكي في حاجة له، فقال له صالح: لست أكلمه في أشباه هذا، ولكن حملني ما شئت في مالي، فأنصرف عنه أبو العتاهية، وأقام أيامًا لا يأتيه، ثم كتب إليه:
أقلل زيارتك الصديق ولا تطل ... إتيانه فَتِلجَّ في هجرانه
إن الصديق يلجُّ في غشيانه ... لصديقه فيملَّ من غشيانه
حتى تراه بعد طول مَسَرة ... بمكانه متبرِّمًا بمكانه
وأقل ما يلقى الفتى ثِقَلًا على ... إخوانه ما كف عن إخوانه
وإذا توانى عن صيانة نفسه ... رَجلٌ تنقص وأستخف بشأنه
فلما قرأ الأبيات قال سبحان الله! أتهجرني لمنعي إياك شيئًا تعلم أني ما ابتذلت نفسي له قط، وتنسى مودتي وأخوتي، ومن دون ما بيني وبينك ما أوجب عليك أن تعذرني؟ فكتب إليه أبو العتاهية:
أهل التخلق لو يدوم تخلُّقٌ ... لكنت ظُل جناح من يتخلق
ما الناس في الإمساك إلا واحد ... فبأيهم إن حصِّلوا أتعلق
هذا زمان قد تعود أهلهِ ... تِيهِ الملوك وفعل من يتصدق
أي يطلب الصدقة كما قال في بيت آخر:
هذا زمان ألحَّ الناس فيه على ... تيه الملوك وأخلاق المساكين
فلما أصبح صالح غدا بالأبيات على الفضل بن يحيى وحدثه بالحديث، فقال له لا والله ما على الأرض أبغض إليَّ من إسداء عارفة إلى أبي العتاهية، لأنه ليس ممن يظهر عليه أثر صنيعة، وقد قضيت حاجته لك، فرجع وأرسل إلى أبي العتاهية بقضاء حاجته، فقال يشكره:
جزى الله عني صالحًا بوفائه ... وأضعَف أضعافًا له في جزائه
بلوت رجالًا بعده في إخائهم ... فما ازددت إلا رغبة في إخائه