اجتماعياته
عشق تولستوي المدنية الاوربية، فطاف في أنحاء أوربا وأعجبه منها تقدمها الآلي ونظامها المتسق. وبهره فيها حركتها الدائمة ونشاطها المتجدد.
ولكنه ما لبث أن نفذ إلى أعماقها. وكفاه أن يرى في تجواله رجلا يشنق في باريس أم المدنية على مرأى ومسمع من الجماهير حتى ينقلب ساخطا متذمرًا متشائمًا. وحتى يرجع إلى روسيا غضبان أسفا، فيهاجم الحضارة الحديثة في سخرية لاذعة وتهكم مر.
تناول تولستوي الناحية النفسية من المجتمع. وأخذ يصورها بقلمه الماهر تصويرًا دقيقًا.
فبين أن حياة العامل اليوم أشقى بكثير من حياة الرقيق بالأمس. فقد كان يؤمن هذا إيمانًا لا يخامره الشك انه خلق عبدًا. وأن الله أراد أن يكون هناك أحرار وعبيد. وكان يوقن أن لا مرد لأمر الله، وفي هذا الإيمان تعزية. وفي هذا الاعتقاد سلوة. .
أما العامل الحر اليوم فقد علموه المساواة، فلا نبيل ولا حقير. ثم هو يرى أن عليه أن يتعب، ولهم أن يستريحوا. ومن واجبه أن يشقى، ومن حقهم أن يسعدوا
وهو ولا شك غير راض بهذا ولا قانع، ولابد له أن يتساءل لماذا يشقى؟ وهو منته إلى الشك في عدل هذا العالم وإنصاف القائمين بأموره.
وفي هذا الشك. وفي ذاك التساؤل تعس ليس بعده تعس، ثم رجل الطبقات الوسطى لا تقل حالته النفسية عن حالة العامل تناقصًا واضطرابًا: إذ يرى عجبا، يرى قوما إذا ما أجادوا التمليق وأحسنوا الاحتيال وداسو على الشرف والكرامة ارتفعوا على أكتاف الغير وتولوا قيادة الأمم، ثم طائفة أخرى تتمسك بالأمانة وتتعلق بالشرف. وهي أبية لا تقل ذكاء ولا مهارة عن الأولى ولكنها مهما كدت وجدت فنصيبها في الحياة القدح المنيح، ثم هو متعجب لماذا يجب عليه أن يؤدي ضرائب ثقيلة على نفسه لتتمتع بها قلة مستهترة. وماذا يحمله على محاربة الموت في ميدان القتال، ما دام الغنم كله راجعًا إلى القواد والساسة!؟ ويزيده شقاء على شقاء انه مضطر إلى مجاراة العالم في نظمه وأساليبه، وهو يحمل لها بين طوايا نفسه انتقامًا مرًا. ورجال المناصب وقادة الأمم من ساسة وحكام لهم آمال عريضة ومبادئ قويمة. ولكنهم إذا ما تولوا الحكم وقبضوا على أزمة الأمور انتهوا إلى منهاج من سبقهم