الجد والدأب، واستطاع أن يصبر على ما يلقاه من عنت وجهد، وأن يثبت للشدائد التي تنتابه، وللعقبات التي تعترضه، ولم يدع لليأس سبيلا إلى قلبه، وأمدته العناية بشيء قليل من المساعدة، فانه واصل إلى الغاية مهما طال به المسير.
إن هذا الطريق واضح بين المنهج، من سار فيه فلن يضل السبيل. . لكنه على وضوحه وبيانه، ليس سهلًا هينًا، ومتى كان الطريق إلى القمة سهلا يا صديقي؟ فالسائر في هذا الطريق سيجد فيه غلظة وخشونة، فان الأيدي لم تتناوله بالرصف والتمهيد، وحصباؤه خشنة مدببة، لا ترتاح لمسها الأقدام، وقد يصادفك فيه الحين بعد الحين، صخر ناتئ أو شجرة مائلة تعترضك، فلابد لك أن تطأطئ الرأس قليلًا، أو تدور من حول تلك العقبات، أو تحتمل الجرح الذي يصيبك حين يصدمك الصخر الناتئ، أو الجذع المائل، وكثيرًا ما يحف بك الشوك ذات اليمين وذات الشمال، فيخدش ساقيك خدشًا ربما أسال منهما الدم قليلا أو كثيرا. . ولا غرابة في هذا كله مادمت تسلك هذا الطريق: طريق البغال!
ولقد تقطع في سيرك الأميال العديدة. فلا تصيب فيه قوتًا ولا شرابًا، فتجتزئ بالقليل من خشن الزاد الذي احتقبته، وتصبر على الظمأ والجوع، وفي قلبك من الجلد والإيمان ما يعين على كل هذا الحرمان. . وقد يسعدك الجد بعد طول السير والعناء فتصادف وسط الصخور نبعًا ضئيلًا هزيلًا، فتهش له وتبش وتراه كأنه دجلة أو الفرات، أو الكوثر المقدس. فتبسط إليه كفيك، تتخذ منهما قدحًا تملؤه كي تبرد به لهاتك. ثم ترى أن هذه الوسيلة لا تغني فتنحني نحو الينبوع، ثم لا تزال تنحني حتى ترتمي على يديك ورجليك، وتمد نحو الماء فمًا قد جمده طول الظمأ، فلا تزال تعب الماء عبا، وتصبه في جوفك صبا، وتشرب وأنت على أربع حتى تروي غلتك، ولا تسل عن منظرك البديع في تلك اللحظة، ولكن أي غرابة في هذا وأنت تمشي في طريق البغال؟
وقد تكون الطريق في بعض نواحيها سهلة ممهدة يحف بها شجر عال فيه للطير وكور. وكأني بك وقد أطلت عليك من فرع غصينها المياد قبرة صغيرة حديثة عهد بالعالم، ولم تشاهد قبلك إنسانا يمشي على رجلين، فتدهش لرؤية هذا الكائن الغريب في طريق ما رأت به من قبل إلا الدواب، فتسرع إلى أمها وتهيب بها: (أماه! إن بالطريق بغلا جديدًا ما رأيت من قبل له شبيها، يمشي على رجليه الخلفيتين، رافعًا رأسه إلى أعلى!. .) فعند ذلك تقول