فرق ما بين السيدة وإمائها، ولست أرى منكن الآن إلا نساء تعسات مثلي. إنما نحن أخوات في الشقاء والبؤس، وما ينفعني أنني حرة وأنا مثلكن مقيمة على الضيم محتملة للذل، مذعنة لصروف القضاء! لا أملك لنفسي نفعًا ولا ضرًا ولا أستطيع أن أبرح هذه الدار! وإلى أين أبرحها! لقد ذهبت غارة بني أسد بأبي وأخي، وأصبحت أمي وأخواتي مثلكن إماء مثلكن، لا أعرف من أمرهن شيئًا ولمينهض فتيان بني عامر للثأر! ليت شعري ماذا يصنع أبو براء بأسنته! ماله لا يلاعبها لقد ذهب الموت بابني وأصبحت أسيرة في يد عبد المطلب، أسيرة لا كالأسرى: يجفوني ولا أستطيع له بغضًا ولا قلى كما يفعل الأسرى. وإنما أحبه ولا أجد عن داره منصرفًا، هاهو ذا قد عاد من رحلته إلى اليمن منذ ثلاث، فلما بلغ مكة أسرع إلى هالة بنت وهيب فقضى عندها أولى لياليه وأول أيامه لأنها أحدث زوجاته به عهدًا. ثم أصبح فانتقل إلى نتيلة فأقام عندها يومًا وليلة. ثم أصبح فانتقل إلى فاطمة فأقام عندها يومًا وليلة وما أرى إلا أنه سيقبل بعد حين، فيلم بهذه الدار إلمامة قصيرة ثم يسرع إلى هالة! فما أشد شوقه إليها وقد حدثت أنه أقبل من اليمن كأحسن ما يكون الرجال سمة وابرع ما يكونون جمالًا، وحدثت أن هالة أنكرته حين رأته فقد ودعنا أبيض الرأس وعاد فاحم الشعر، كأنه لم يتجاوز الثلاثين. وقد أنكرته من الغد قريش كلها لما رأت من سواد لمته. ولكنه أزال عجب قريش حين أظهر لها هذا الخضاب الذي حمله من اليمن، والذي يرد الشيب شبابًا، والذي أسرعت قريش إليه فاشترت منه وأختضب به شيبها فإذا أهل مكة كلهم شباب. كل ذلك ولم أر عبد المطلب، ولم أحس منه ذكرًا لي وحنينًا إلي. وماذا يصنع؟ ليس لي شباب هالة، ولا جمال نتيلة ولا ولد فاطمة! وإنما أنا عجوز فانية، يتيمة وحيدة ليس لها أب ولا أم ولا ولد، أنا هذا الحمل الثقيل، الذي يضيق به صاحبه، ولكنه يأبى أن يلقيه ويتخفف منه مخافة أن يصفه الناس بالضعف أو القصور.
قالت ذلك وأغرقت في بكاء طويل شاركها فيه إماؤها الثلاث. ولكن ناصعة لم تلبث أن قالت: أهذا كل ما تعلمين من أمر زوجك يا سيدتي؟ إنك إذا لتجهلين كل شيء ولا تعلمين إلا أقل أمره خطرًا، وأن عندي من أمر سيدنا ما لو قصصته عليك لأرضاك ولخفف لوعة الحزن هذه التي تحرق فؤادك الكئيب. لن تري زوجك اليوم يا مولاتي فهو عنك في شغل، لقد كان راضيًا مسرورًا حين كان يرى نساءه ينكرن سواد لمته ويعجبن بشبابه الجديد،