اقترب منيابتسم لي ابتسامة هزيلة وسلم علي ثم جلس. وأشار إلى المقعد الذي أمامه وقال:
-تفضل اجلس
جلست وبدأنا نتحادث في أمور تافهة. وكانت لهجته مهملة ونظراته فيها بعض الشرود. ولم يتكلم بكلمة واحدة عن جيمي فعلمت أنه لا يريد الخوض في هذا الموضوع. ثم خيم علينا صمت ثقيل فاستأذنت وقصدت إلى ركني.
ومنذ ذلك الحين اختلت مواعيد أسعد بك ولم أعد أراه دائمًا في القهوة كلما ذهبت. وغير عادته في فنجان القهوة السادة الذي كان لا يحيد عنه ولا يزيد عليه واستبدل به بضع كوؤس من العرق. وكان كلما ثارت الصهباء في رأسه اندفع يتكلم في إسهاب ممض وبصوت مرتفع كأنه يصرخ أو يشتم. وكانت موضوعاته دائمًا لا تخرج عن سبهمصلحة الطب البيطري وسب العالم كله على السواء. كان يقول دائمًا:
-الدنيا كلها نهب في نهب. إخص بلا قرف. وبدأ يضيفني على شرب الزبيب معه ويقول لي:
-لا تخش ضررًا. أنا حكيم. إن الزبيب مقو للدم وفاتح للشهية. أحسن المشروبات كلها.
وأصبح مجلس أسعد بك لا يطاق. فلم أكن أنعم بتلك المحادثات المسلية. ولم يكن يتركني أذاكر دروسي في هدوء. بل كاندائمًا يقلقني بصياحه المزعج ويضطرني إلى الإنصات له وتحبيذ كلامه. وكان إذا رآني مقصرًا في الالتفات إليه جاء إلى مائدتي ونقل مشروبه إليها واحتل مقعدًا بجواري وبدأ يسح بشكاياته وشتائمه.
وحدث مرة أن جاء صاحب القهوة بحساب الشهر (وكان من عادة أسعد بك أن يدفع الحساب شهريًا) فأخذ الورقة من يد الرجل وألقى عليها نظرة عابسة ثم صاح في وجهه:
-مائة قرش؟ جنيه! أما لصوص صحيح! لن أدفع هذا المبلغ ماحييت ودعك الورقة ورماهافي وجه صاحب القهوة. وأراد الأخير أن يتفاهم معه في لطف فأقترب منه ومعه الحساب وأخذ يوضح له عدد الطلبات التي طلبها. فدفعه أسعد بك بشدة وصاح. .
-اذهب من أمامي لن ادفع شيئا. كلكم لصوص أولاد كلب. فأحمرت عينا صاحب القهوة وقال:
-اللصوص وأولاد كلب يا حبيبي هم الذين لا يؤدون ما عليهم.