استحياء وحنان عميق كانا مثارًا للضحك لشدة غرابة الأمر. وكان كل صباح يقطف لي جني الزهر، وفي كل مساء قبل صعودي إلى مقصورتي يلثم يدي هامسا: (أنا أهواك!)
لقد اذنبت، وركبني اعظم الذنب. وما زلت على هذا نادمة باكية لا يرقا لي دمع. وأني لفي التكفير عن هذا طيلة حياتي، وقد بقيت بعده عانسًا لا أتزوج، بل بقيت كالخطيبة المترملة، أجل أنا له الأرملة. كنت ألهو بهذا الحب الصبياني بل كنت اعمل على إذكائه. فكنت المرأة الخلوب ذات الدلال، وكأني إلى جنب رجل ألاعبه وأخاتله. لقد فتنت هذا الغلام ودلهته بحبي. وكان الأمر عندي لعبًا ومعابثة، وعند أمي وأمه تسلية وترويحا. قد كانت سنه اثنتي عشرة سنة، فتأملوا! من كان يأخذ مأخذ الجد هذا الغرام الدري! فكنت أقبله ما شاء، بل كنت أكتب رسائل العشق إليه وأقرئها أمي وأمه قبله؛ وكان يجيب عليها بكتب مسطورة كتب من نار، وقد احتفظت بها. وكان معتقدًا أن صلتنا الغرامية كانت سرًا مكتومًا، وكيف لا وهو يعتد نفسه رجلًا والأمر في عرفه الجد كل الجد. وقد غاب عنا انه من بني سانتيز.
ودامت الحال على هذا المنوال عامًا أو قرابة عام. وفي ذات مساء ونحن في الروضة خر جاثيًا عند قدمي ولثم حاشية ثوبي في اندفاع المهتاج مرددًا: (أنا أهواك، أهواك، أنا ميت في هواك. وإذا خنتني في يوم من الأيام، أسامعة أنت - إذاهجرتني إلى سواي فإني صانع مثلما صنع أبي. . .) وأردف في صوت عميق يقشعر له البدن: (أنت عليمة بما صنع) .
ولما وجمت ولم أحر جوابًا نهض وشب على أطراف قدميه ليبلغ إلى أذني - وكنت أفرع منه طولًا - ودعاني باسمي، اسمي الأول، (جنفييف) بنغمة حلوة جميلة رقيقة شملتني منها قشعريرة سرت من فرعي إلى أخمص قدمي.
فغمغمت: (لنرجع، لنرجع إلى الدار) . فلم ينبس بكلمة وسار في أثري، فلما هممنا بصعود درج السلم استوقفني قائلًا: (أتعرفين؟ إذاهجرتني فإني قاتل نفسي) .
فعلمت هذه المرة أنني تماديت حيث لا يجب التمادي وتكلفت معه التحفظ. ولما أن كتب ذات يوم يعتب علي أجبته: (أنت اليوم اكبر من عبث المزاح واصغر من جد الحب. أني في الانتظار) . وحسبتني بهذا قد أبرأت ذمتي.