الحذاء المشئوم
للكاتبة الإيطالية جرازيا دليدا
ضاقت سبل الحياة بالفتى إيليا كراي فهو لا يجد عملًا، وهو لا يدري كيف يزجي هذا الفراغ العريض الذي وقع فيه على حين فجأة، ألا أن يقضي شطرًا من نهاره في حجرة الانتظار بالمحكمة واضعًا كراسة على ركبته يثبت فيها ما توافيه به قريحته من أشعار يناجي بها زوجته الحبيبة، لقد كان الضجيج يعلو بازائه، والجموع تتقاطر من هنا ومن هناك: ففقيرات النساء يتخاصمن على دريهمات ضئيلة كأنما يتناز عن أقطار الأرض جميعًا، وشاهدو الزور يسيرون في هدوء وأناة يبتغون شيئًا، وصغار المحامين يندفعون هنا وهنا يفتشون عن صيد جديد؛ هذا وإيليا جالس في هدوئه في زاوية الحجرة، يكتب إلى زوجته بعض الشعر وكأنه لا يحس مما حوله شيئًا:
(أنا أستطيع أن أرى الحياة بعيني عقلي، فكل ما يدور في العالم مقدر قبل أن يكون. أنا شاعر فيلسوف، فليس شيء في الحياة يثير في الدهشة لأنني أعلم أن الأيام تعلو بالمرء مرة وتسفل به أخرى. لا تقنطي - يا عزيزتي - فل ربما تذكرنا عمى أغسطينو، أغسطينو الذي طرد زوجته، وحرمها ماله؛ لعله يذكرها يومًا فتذهب إلى شاطئ البحر معا، نشهد القوارب تضطرب بين الأمواج الهائجة، ونحن نسير ذراعًا في ذراع كأننا عروسان في شهر العسل؛ على أننا - الآن - سعيدان، فالحب والاطمئنان يغمران قلبنا وحياتنا، وأنت يا سيدار؛ أنت فينوس هرموزا؛ أنت ثرائي وأنت ملكتي)
وفي صباح يوم من أيام الشتاء، أحس إيليا وهو في مكانه من حجرة الانتظار، حيث يجلس دائمًا؛ أحس أن يدًا قوية تجذبه في عنف، وسمع صوتًا خشنًا يناديه: (أسرع! لقد كنت في(تيرانوفا) وعمك هناك يعالج مرضًا مخطرًا. . .
هذا صوت سائق ينبهه إلى أمر، ولكنه ما كان ليسلبه بعض هدوئه. لقد أرسل أنة خفيفة خافتة، ثم قال يحدث نفسه: (سأنشر هذا الخبر المحزن على عيني زوجتي)
لم تضطرب الزوجة لما سمعت، ولم تحزن، ولم تفزع من مكانها وهي جالسة أمام باب الدار تلتمس الدفء من أشعة الشمس، وقد ارتدت خير ملابسها، وانتعلت، ورتبت شعرها