قريتي الصغيرة الفقيرة هي إحدى القرى الخمسين التابعة لمركز طلخا؛ ومركز طلخا هو أوحد المراكز جميعًا في فحش النظام الإقطاعي وفجوره. كل ما يملك فلاحه من أرضه أمتار ينام فوقها وهو حي، وأشبار يرقد تحتها وهو ميت. أما ملاكه فهم آل طوسون، وآل البدراوي، ومحمد علي، ووحيد يسري، وسرسق، ووزارة الأوقاف! لذلك كانت جملة الأرض التي نزعها قانون الإصلاح الزراعي من كبار ملاكه، ليوزعها على صغار زراعه، اثنين وثلاثين ألف فدان في السنة الأولى من سني التوزيع الخمس! وهذا الرقم الأولي الضخم يشعرك ولا شك بالحياة الأليمة التي كان يحياها أولئك البائسون التعسون في ظلال الأسرة العلوية الكريمة!
كانوا يعملون العام كله دائبين ليل نهار، لا تختلف امرأة عن رجل، ولا يتخلف صغير عن كبير، ولا تفترق ماشية عن آلة. حتى إذاآتت الأرض الطيبة أكلها فحصدوا القمح، وضموا الرز، وجمعوا القطن، وقطعوا الذرة، ذهب أولئك كله إلى المالك المرهوب، إما عينًا في مخازنه، وإما نقدًا في خزائنه! أستغفر الله! لقد تدرك الرحمة أحيانًا قلب الباشا أو الأمير، فيترك للفلاح أو للأجير، أرغفة من الذرة يتبلغ بها كل يوم، وجلبابًا من القطن يرتديه طول السنة، وأرطالًا من اللحم يتذوقها كل عيد! أما نصيبه من ثمن قطنه ورزه، فيقول له ناظر البدراوي: أخذناه لأن أباك أو جدك كان مدينًا لنا في الماضي! ويقول له مفتش طوسون: حجزناه لأن إجارتك ربما تخسر في المستقبل! فإذاهم بأن يشكو، حجز الناظر ماشيته عن الغيط، ومحصوله عن البيت. وإذاجرؤ على أن يحتج، أمر المفتش (مأمور البوليس) أن يعتقله أيامًا ليسلمه إلى جنوده فيصبحوه بالعصا ويمسوه بالكرباج!
في قرية من قرى هذا المركز البائس نشأت؛ وفي غمرة هذا البوس الذي لا حد له ولا حيلة فيه رأيت الباشا كيف يطغي وينسى الله، والمفتش كيف يبغي وينسى العدل، والفلاح كيف يذل وينسى الحرية، والأجير كيف يهون وينسى الحياة!
وفي (وحي الرسالة) في مجلداته الثلاث وصفت مآسي هذه الأمة من الناس، وهذه القرية من القرى، وصفا كان مداده الدمع، وكانت كلماته الأنين! فإذاعرفت أمرهم على الوجه الذي عرفت، وأدركت حالهم من الوصف الذي وصفتهم، تبينت في جلاء ويسر نصيبهم من نهضة الجيش. لقد كانوا أذلاء فعزوا، وكانوا أرقاء فسادوا، وكانوا أجراء فملكوا ثم