فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
فمن ترك الصلاة تركا كليا أو سجد لصنم , أو فعل أي فعل من المكفرات العملية , فليس في قلبه شيء من الإيمان - وهذا الحكم من حيث الإطلاق لا من حيث الفاعل المعين - , وحكمنا على ما في قلبه إنما جاء من طريق النصوص الشرعية , لا من تطبيق قاعدة التلازم بين الظاهر والباطن , لأن هذا ليس محلها , لأن كلامنا في دلالة عمل جزئي لا في جنس العمل , ومن كفر من العلماء يترك الصلاة إنما كفر لأن النصوص دلت عنده على أن تركها كفر , لا على أن العمل الظاهر المفرد لا بد أن يدل على ما في القلب من الإيمان أو الكفر.
وعلى هذا فلا يصح أن يقال لمن لم يكفر يترك الصلاة - الترك الكلي - , بمعنى أنه لا يحكم على من لم يصلِ في حياته ولا صلاة واحدة بالكفر: إنه مخالف لأصل أهل السنة في مسألة ارتباط الظاهر بالباطن , لأن مخالفته في دلالة أمر جزئي على ما في الباطن لا في دلالة جنس العمل.
وكذلك القول في من قال إن الموالاة الظاهرة للكفار لا يكفر بها فاعلها , وإنما يكفر بما يقوم في قلبه من حب الكفار لدينهم لا يلزم منه أنه مخالف في أصل ارتباط الظاهر بالباطن.
فمحاكمة هذا القول على أصل الارتباط بين الظاهر والباطن هو في الحقيقة تنزيل للأصل في غير محله , فلا يمكن أن يكون صحيحا.
وعلى هذا فلا يحق لمن يرى أن الموالاة العملية منها ما هو كفر أن يستدل على قوله بأصل الارتباط بين الظاهر والباطن , وإنما يحق له الاستدلال بالنصوص التي يراها دالة على قوله , ويكون البحث في تحرير دلالة النصوص في الموالاة العملية وهل تدل على الكفر أم لا , وهذا الأمر لم يفعله الأخ الموحد , فهو لم يربط البحث في حكم الموالاة العملية بدلالة النصوص , وإنما ربطها بالتلازم بين الظاهر والباطن , وهذا فيه خروج عن محل البحث.
فتحصل من هذا أن الفعل الظاهر المفرد لا ضرورة بينه وبين دلالته على ما في القلب بمجرده , وإنما لا بد فيه من اعتبارات أخرى , كدلالة النصوص الشرعية , كما سبق شرح ذلك.
فإن قيل: إذا كان يمكن أن يقوم في قلب المسلم ما هو كفر ولا يوجد في العمل الظاهر ما يستلزمه ويدل عليه , فكيف يحكم على من كان حاله كذلك , وأي فائدة في تعليق الحكم على أمر باطن لا يمكن للأعمال الظاهرة أن تدل على حقيقته؟!!.
قيل في الجواب:
1 -أن يقال: إن البحث في مسائل الإيمان والكفر , ومحاولة التأصيل لها له عدة مقاصد منها:
أ - أن يعرف العبد المؤمن ما الذي يكفر به من الأعمال حتى يحذرها ويتجنبها فيحافظ على إيمانه , وما الذي لا يكفر به في خاصة نفسه , وما الأعمال التي من الإيمان حتى يفعلها ويزيد إيمانه بها , ومعرفة ذلك مهم لأن الإيمان إنما يثبت وينتفي ويزيد وينقص بالأعمال.
ب - أن يُعرف كيف نحكم على الآخرين ممن تلبس ببعض أعمال الكفر , ولا شك أن هذا مقصود للشرع , ولكنه ليس المقصود الوحيد.
وهذا القصد الثاني وقع الاهتمام به أكثر من القصد الأول , فأدى ذلك إلى ضعف التأصيل لمسائل الإيمان , لأن الهم أصبح عند كثير ممن يدرس هذه المسائل هو أنه كيف يحكم على الفاعل المعين لتلك الأعمال المكفرة.
2 -أن هذا الاعتراض مبني على الخلط بين مجالين مختلفين , وهما: الأول: البحث في حكم الفعل المعين في الشرع من غير نظر إلى فاعله , والثاني: البحث في تحقق هذا الفعل المعين وانطباق حكمه على المعين , وهذان المجالان مختلفان , فالبحث في حكم الفعل في الشرع المقصود منه أن يعرف حكم الله سبحانه في هذا الفعل المعين , والبحث في تحقق حكم الفعل في الفاعل المعين المقصود منه أن يعرف حال هذا الفاعل المعين هل ينطبق عليه حكم فعله الذي فعله أم أنه لا يحكم عليه بمقتضى ذلك الفعل , لقيام مانع أو فقد شرط في حقه.
القضية الثانية:
دعوى أن حصر معنى الموالاة في الحب القلبي مخالف للغة العرب و لاستعمالات الشرع
يقول الأخ / الموحد في تقرير هذه الدعوى بعد ما نقل نصوصا في معنى الموالاة:"ولذلك فإن لنا أن نقول إن الولاء له عدة معاني منها النصرة والمحبة والقرب إلى غير ذلك مما ذكر وهو في أصل الوضع ..."
(يُتْبَعُ)