فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 10426 من 53113

والمقصود هنا أن القول بضرورة التلازم بين الظاهر والباطن هو فيما يتعلق بجنس العمل الظاهر لا فيما يتعلق بأفراد العمل , فإنه لا ضرورة في التلازم بينها وبين ما في الباطن من أصل الإيمان , بمعنى أنه إذا انتفى عمل ظاهر معين - لا جنس العمل - بالكلية من حياة المسلم فإنه لا يلزم بالضرورة أن يدل على انتفاء ما في القلب من أصل الإيمان , فلا يقال مثلا: من ترك صيام رمضان كلية فلم يصم في حياته ولا مرة واحدة إن هذا لا يمكن أن يكون مؤمنا , لأنه لو كان مؤمنا لتلازم ظاهره بباطنه لأن أصل أهل السنة أن الظاهر والباطن لا بد أن يتلازما , فهذا الكلام ليس بصحيح والاستدلال بهذا الأصل هنا ليس صحيحا , لأنه استدلال بأصل في غير محله , لأن محله في جنس العمل الظاهر لا في أفراد العمل.

ويدل على صحة هذا التقرير تعامل العلماء رحمهم الله , وبيان ذلك: أن جمهور العلماء لما قالوا بأن ترك صيام رمضان ليس كفرا أو ترك الحج ليس كذلك , فإنهم يقصدون الترك الكلي , بمعنى أن من تركه كلية طوال حياته ولا يقصدون الترك الجزئي , وهم يدركون تماما أن مقتضى قولهم ولازمه أن من لم يصم في حياته ولم يحج ولو مرة واحدة أنه لا يكفر بذلك , يعنى أن تركه هذا لا ينافي أصل ما قلبه من الإيمان , مع أنه ترك لعمل ظاهر بالكلية.

فتحصل مما سبق أن مقصود العلماء بضرورة التلازم بين الظاهر والباطن إنما هو فيما يتعلق بجنس العمل لا في أفراد العمل الظاهر , ولم يستثنَ من الأعمال الظاهرة إلا ما استثنته الشريعة كما سيأتي.

ولا يلزم من هذا التقرير الذي هو فك الارتباط الضروري بين الظاهر والباطن في أفراد الأعمال الظاهرة أن يكون فيه موافقة للإرجاء , لأن المرجئة تقول بفك الارتباط بين الظاهر والباطن في جنس العمل , فضلا عن أفراده كما هو معلوم , ومخالفة أهل السنة هو في القول باستحالة الانفكاك بين جنس ما في الظاهر عما في الباطن , وبهذا تحصل المفارقة بين مذهب أهل السنة مذهب المرجئة , فالفرق بين أهل السنة والمرجئة هو أن الإيمان الباطن لا بد أن يستلزم عملا في الظاهر , لا أن كل عمل في الظاهر - فعلا أو تركا - لا بد أن يدل على ما في القلب من أصل الإيمان. وهذا أعني تقرير التلازم الضروري بين جنس الظاهر وما في الباطن , وتقري أن أفراد ما في الظاهر من أعمال - المكفرات العملية - إنما تدل على ما في الباطن بدلالة النصوص , قرره الشيخ القرني في مواطن متعددة من كتبه الذي اتهمه الأخ / الموحد بعدم ضبط هذا الأصل , وفي هذا يقول القرني:"ونعود الآن إلى بيان الالتزام الظاهر المشروط في أصل الدين فنجد أنه يتضمن أمرين:"

الأول: ترك النواقض , ولا خلاف في اشتراطه لتحقيق الالتزام الظاهر وبقاء وصف الإسلام .

الثاني: الالتزام بجنس العمل , وهو إجماع أهل السنة والجماعة وهذا هو مناط النزاع بين أهل السنة والمرجئة" , وهذا ما ذكر أيضا في كتابه الجديد وعنوانه"أصول المخالفين لأهل السنة في الإيمان""

ومما ينبغي أن يعلم أن كل ما سبق إنما هو من حيث الأصل , بمعنى أن الانفكاك ليس كليا دائما , بل بعض أعمال الظاهر يستدل بها على ما في القلب من كفر أو إيمان , ولكن الاستدلال بها ليس من جهة التلازم الضروري بين الظاهر والباطن وإنما راجع إلى اعتبارات أخرى.

وهنا يقال: ما في الظاهر يدل على ما في الباطن بعدة اعتبارات:

الاعتبار الأول: في جنس العمل , فإذا انتفى جنس العمل من الظاهر في هذا يدل على انتفاء ما في القلب من الإيمان , وهذا أمر واضح لا إشكال فيه.

الاعتبار الثاني: أن تدل نصوص الشريعة على أن هذا الفعل المعين يدل فعله أو تركه على انتفاء أصل الإيمان في القلب , وهو ما يسمى بالمكفرات العملية.

فهذه المكفرات العملية تدل على التلازم بين الظاهر والباطن , بمعنى أن الظاهر يدل على ما في الباطن من إيمان وكفر , ولكن هذه الدلالة جاءت من دلالة النصوص الشرعية لا من دلالة التلازم الضروري الفطري بين ما في القلب وما في الجوارح , فالمرجع في تحديدها وبيانها هو النصوص الشرعية , لا ضرورة التلازم بين الظاهر والباطن.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت