فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
32 -إن غلّ أحد الغانمين في الجهاد شيئًا من الغنيمة فقد ذهب الأوزاعي والحنابلة - خلافًا للجمهور - إلى أنّه يحرق متاعه , لكن لا يحرق المصحف , لما روى صالح بن محمّد بن زائدة , قال: دخلت مع مسلمة بن عبد الملك أرض الروم , فأتي برجل قد غلّ , فسأل سالمًا عنه فقال: سمعت أبي يحدّث عن عمر بن الخطّاب رضي اللّه عنه عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «إذا وجدتم الرّجل قد غلّ فأحرقوا متاعه واضربوه» , قال: فوجدنا في متاعه مصحفًا , فسأل سالمًا عنه فقال: بعه وتصدّق بثمنه.
الرّدّة بإهانة المصحف:
33 -إذا أهان المسلم مصحفًا متعمّدًا مختارًا يكون مرتدًا ويقام عليه حد الرّدّة.
وقد اتّفق الفقهاء على ذلك , فمن صور ذلك ما قال الحنفيّة: لو وطئ برجله المصحف استخفافًا وإهانةً يكون كافرًا , وكذا من أمر بوطئه يكون كافرًا.
ولو ألقى مصحفًا في قاذورةٍ متعمّدًا قاصدًا الإهانة فقد ارتدّ عند الجميع , قال الشّافعيّة: وكذا لو مسّه بالقاذورة ولو كانت طاهرةً كالبصاق والمخاط.
فإن كان ذلك عن سهوٍ أو غفلةٍ أو في نومٍ لم يكفر.
وكذا إن كان مكرهًا أو مضطرًا ففعله لا يكفر.
الحلف بالمصحف:
34 -يرى الحنفيّة أنّ الحلف بالمصحف ليس بيمين لأنّه الورق والجلد وليس صفةً للّه تعالى ولا اسمًا له , وقد قال النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم: «من كان حالفًا فلا يحلف إلا باللّه» .
وعلى هذا لو حلف به لا تنعقد يمينه وليس فيها كفّارة إن لم يف , وقال ابن عابدين: إن تعارف النّاس الحلف بالمصحف ورغب العوام في الحلف به لم يكن يمينًا أيضًا , وإلا لكان الحلف بالنّبيّ والكعبة يمينًا لأنّه متعارف , وكذا بحياة رأسك ونحوه , ولم يقل بذلك أحد , قال ابن عابدين: لكن لو أقسم بما في هذا المصحف من كلام اللّه تعالى يكون يمينًا.
وذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى أنّ الحلف بالمصحف يمين.
قال النّووي في الرّوضة: يندب وضع المصحف في حجر الحالف به وأن يقرأ عليه: {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا} .
وقال ابن قدامة: ولم يكره ذلك إمامنا وإسحاق لأنّ الحالف بالمصحف إنّما قصد الحلف بالمكتوب فيه وهو كلام اللّه تعالى , ونقل عن قتادة أنّه كان يحلف بالمصحف.
آداب تناول المصحف وتكريمه وحفظه:
35 -اختلف العلماء في تقبيل المصحف فقيل: هو جائز , وقيل: يستحب تقبيله تكريمًا له , وقيل: هو بدعة لم تعهد عن السّلف , وانظر: (تقبيل ف 17) .
وأمّا القيام للمصحف فقال النّووي وصوّبه السيوطيّ: يستحب القيام للمصحف إذا قدم به عليه , لما فيه من التّعظيم وعدم التّهاون به , ولأنّ القيام مستحب للفضلاء من العلماء والأخيار , فالمصحف أولى , وقال الشّيخ عز الدّين بن عبد السّلام: هو بدعة لم تعهد في الصّدر الأوّل.
وذكر العلماء أنواعًا من تكريم المصحف:
فمن ذلك تطييبه , وجعله على كرسيٍّ لئلا يوضع بالأرض , وإن كان معه كتب أخرى يوضع فوقها ولا يوضع تحت شيءٍ منها.
وأمّا توسد المصحف فقال الشّافعيّة والحنابلة: يحرم توسد المصحف لأنّ ذلك ابتذال له , وأضاف الشّافعيّة: ولو خاف سرقته أي فالحكم كذلك.
وقال الحنفيّة: يكره وضع المصحف تحت رأسه إلا لحفظه من سارقٍ وغيره.
وأمّا مد رجليه إلى جهة المصحف فقال الحنفيّة - كما ذكر ابن عابدين - يكره تحريمًا مد رجليه أو رجلٍ واحدةٍ , سواء كان من البالغ أو الصّبيّ عمدًا ومن غير عذرٍ.
وفي الفتاوى الهنديّة: مد الرّجلين إلى جانب المصحف إن لم يكن بحذائه لا يكره , وكذلك لو كان المصحف معلّقًا في الوتد.
وقال الشّافعيّة: يجوز مد رجله إلى جهة المصحف لا بقصد الإهانة في ذلك.
وقال الحنابلة: يكره مد الرّجلين إلى جهة المصحف.
ما يصنع بالمصحف إذا بلي:
36 -ذهب الحنفيّة إلى أنّ المصحف إذا بلي وصار بحال لا يقرأ فيه يجعل في خرقةٍ طاهرةٍ ويدفن في محلٍّ غير ممتهنٍ لا يوطأ , كما أنّ المسلم إذا مات يدفن إكرامًا له , وقال الحنفيّة: ولا يهال عليه التراب إلا إذا جعل فوقه سقف بحيث لا يصل إليه التراب.
وقالوا: ولا يجوز إحراقه بالنّار , ونقل ذلك عن إبراهيم النّخعيّ , ووافقهم القاضي حسين من الشّافعيّة , وقال النّووي: يكره ذلك.
وقال المالكيّة: يجوز إحراقه , بل ربّما وجب , وذلك إكرام له , وصيانة عن الوطء بالأقدام , قال القرطبي من المالكيّة: قد فعله عثمان رضي اللّه عنه حين كتب المصاحف وبعث بها إلى الأمصار , فقد أمر بما سواها من صحيفةٍ أو مصحفٍ أن يحرق , ووافقه الصّحابة رضوان اللّه عليهم على ذلك.
وقال الحنابلة: لو بلي المصحف أو اندرس دفن نصًا , ذكر أحمد أنّ أبا الجوزاء بلي له مصحف فحفر له في مسجده فدفنه , وفي البخاريّ أنّ الصّحابة حرّقته لمّا جمعوه , وقال ابن الجوزيّ ذلك لتعظيمه وصيانته , وذكر القاضي أنّ أبا بكر بن أبي داود روى بإسناده عن طلحة بن مصرّفٍ قال: دفن عثمان المصاحف بين القبر والمنبر , وبإسناده عن طاووسٍ أنّه لم يكن يرى بأسًا أن تحرق الكتب , وقال: إنّ الماء والنّار خلق من خلق اللّه.