فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 5471 من 53113

وتحت مظلة الحكم الروماني قامت دويلة يهودية، خضعت إداريًا للحاكم الروماني المقيم في قيصرية على البحر الأبيض المتوسط، بينما بقي ملكها مسيِّرًا للشؤون الدينية فيها (25) ، حتى إنه لما طلب القيصر وضع تمثاله داخل الهيكل والنسر على بابه، قام ملك اليهود بتهدئة الشعب الذي هاله هذا التدخل الروماني في أمر الديانة (26) .

وتصف المصادر شخص هيرودس الأكبر، ملك هذه المملكة اليهودية زمن ميلاد عيسى، عليه السلام، أنه كان شديد الولع بالثقافة الهلينية، وأنه كان رجلًا محاربًا لا يقدر أحد على مبارزته، وقد كبر في عين الإمبراطور أغسطس فأخذ يمده بالأقاليم إقليمًا إقليمًا. وكان أن عَظُمَ شأن هيرودس، فبنى مملكته على نموذج روماني وثقافة يونانية ونمط عيش هليني. وقد جعل من الهيكل المؤسسة الدينية الكبرى في مملكته، وأحاط بمجلسه الكهنة ورجال الدين من اليهود. ولكن افتتانه بالنموذج الأجنبي وتفضيله إياه على ثقافة اليهود، التي لم يعد لها مكان إلا في البوادي وفي قلوب الضعفاء، أثار عليه الأحقاد فكثرت محاولات اغتياله وكثرت الدسائس في قصره.

وبعد وفاته تنازع أبناؤه فيما بينهم، فجمعهم الإمبراطور الروماني وقَسَّمَ عليهم المملكة حسب وصية أبيهم، فكان أن: أخذ"انتباس"الجبل حيث الناصرة وطبرية وأزدريلا، وأخذ كذلك الأرض الواقعة وراء ظهر الأردن. وأخذ"فيليب"إقليم بنتانيا. وكانت لأرخيلاوس منطقة اليهودية، حيث القدس وبيت لحم وغزة وقيصرية ويافا، كما كانت له منطقة إيدومية.

واشتد الصراع بين مجتمعات هذه الأقاليم الثلاثة الواقعة تحت حكم أبناء هيرودس، وتباينت درجة ولائها للدين اليهودي، كما تباينت درجات هلينيتها وخضوعها للحاكم الروماني. ويبدو أن إقليم أرخيلاوس كان أهم هذه الأقاليم بالنسبة للرومان، فظلوا يوجهون الأمور الإدارية فيه انطلاقًا من مدينة قيصرية. إن وجود الهيكل الذي أنفق الملك هيردوس على إنشائه وتزيينه الكنوز التي لا تحصى، جعل من هذا الإقليم مركزًا تجاريًا تهوي إليه أموال بني إسرائيل من كل حدب وصوب، وهو أمر له دلالته بالنسبة لروما.

وظل الهيكل تحت إشراف مجلس أعلى مكون من واحد وسبعين عضوًا يمثلون السلطة الدينية لليهود، ولكن سلطتهم لم تكن هي العليا، فالأحكام الصادرة عن المجلس كانت لا تنفذ إلا بالتصديق عليها من الإدارة الرومانية.

وتباينت سلطة الفرق اليهودية (27) ، فكان الصدوقيون منهم ينكرون العمل بالتلمود، وينكرون البعث واليوم الآخر، ويعتقدون أن الجزاء والعقاب دنيويان.

قال متى في إنجيله:

>وفي ذلك اليوم جاء إلى يسوع بعض الصدوقيين، وهم الذين ينكرون القيامة< وبعد أن سألوه سؤالًا، قال لهم: >أنتم في ضلال لأنكم لا تعرفون الكتب ولا قدرة الله< (28) .

ونقرأ في أعمال الرسل، أن الصدوقيين >لايؤمنون بقيامة الأموات ولا بوجود الملائكة والأرواح< (29) .

ولم تكن هذه الفرقة تهتم بأمور الديانة أكثر من اهتمامها بمركزها المؤثر داخل المجتمع اليهودي.

أما الفريسيون أو المنشقون، فهم، حسب فلافيوس يوسيفوس: شيعة من اليهود رأوا أنهم أكثر تمسكًا بالشريعة من غيرهم من أبناء ملتهم، وأنهم أكثرقدرة على تفسير شريعتهم. آمنوا بالتلمود، واعتقدوا في عصمة الكهنة، وآمنوا بالبعث، ولم يِؤمنوا بتقديم القرابين إلى المعابد، ورفضوا الإيمان بالأنبياء المتأخرين، وكانت للمسيح عيسى ابن مريم معهم أكثر من جولة. نقرأ في إنجيل مرقس:

>وأقبل إليه بعض الفريسيين، وأخذوا يجادلونه طالبين آية من السماء ليجربوه، فتنهد من أعماق قلبه وقال:"ما لهذا الجيل يطلب آية! الحق أقول لكم: لن يعطى هذا الجيل آية. ثم تركهم ورجع في القارب إلى الشاطىء المقابل"< (30) .

وكانت فرقة الفريسيين من أكثر الفرق اليهودية احتكاكا بالشعب، فكانوا يُعَلِّمُونَهُ ويعظونه، ونالوا مكانة رفيعة في أوساط الطبقة المتوسطة اليهودية. وبعد تخريب الهيكل من قِبَلِ تيتوس سنة سبعين ميلادية، اضطلع الفريسيون بمهمة تعليم الشعب في المنافي وبقوا ينتظرون المسيح.

أما فرقة الحسيديين، فقد انحسر دورها في زمن بعثة عيسى، عليه السلام، وقد كانوا يُحَرِّمُونَ القرابين، ويحرصون على الطهارة، ويعملون بالزراعة، ويحرمون الرق.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت