ـ [ميادة بنت كامل الماضي] ــــــــ [12 Jun 2006, 06:38 م] ـ
الحزب الثاني/ الربع الرابع/ من الجزء (23)
الموضوعات الرئيسة:
أولًا: زمرة الكفار المتناقضين الذين لا يعلمون، وزمرة المؤمنين العالِمين العاملين
الآيات {8 , 9}
قوله تعالى: {وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ (8) أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آَنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآَخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (9) } .
المفردات اللغوية:
ضرّ: مرض، أو فقر، أو وقوع في كربة، وغير ذلك من أنواع المكاره في جسم أو أهل أو مال. دعا ربَّه: استجار ربَّه وتضرَّع إليه. منيبًا إليه: أي راجعًا إليه وحده في إزالة ذلك. خوَّله نعمة منه: أي أناله وأعطاه نعمة منه بأن كشف ما به من ضر، وخوَّله: من التَّخوُّل وهو التعهد، ويقال خولَّه الشيء أي ملَّكه إياه، ولا يستعمل في الجزاء، بل في ابتداء العطية. نسي ما كان يدعو إليه من قبل: أي ترك ما كان فيه من الضر الذي دعا الله لأجله. أندادًا: شركاء، جمع ندّ. ليضلّ عن سبيله: اللام للعاقبة، أي: ليُضلَّ بنفسه، ويُضِلَّ غيره عن دين الإسلام؛ لأنّ الإضلال فرع من الضلال. وقرأ ابن كثير: ليّضِلَّ: بالفتح. قل تمتَّع بكفرك قليلًا: أي قل تهديدًا لذلك المصرّ على الضلال: تلذّّذ واصنع ما شئت بقيَّة أجلك. إنك من أصحاب النار: من سكانها المخلدين فيها. أمَّن هو قانت: وقرأ نافع: وابن كثير، وحمزة: أمَن، بتخفيف الميم: استفهام تقريري، ومقابله محذوف لفهم المعنى، والتقدير: أهذا القائم بطاعات الله في السراء والضراء، في ساعات الليل والنهار، خير أم ذلك الكافر المخاطب بقوله تعالى: {قل تمتَّع بكفرك} . والقانت: العابد، وقيل: الطائع الخاشع. آناء الليل: ساعاته وأوقاته. يحذر الآخرة: يخاف عذابها. ويرجو رحمة ربه: أي حصول رحمة الله له فينجو مما يحذره ويفوز بما يرجوه. قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون: استفهام إنكاري لنفي استواء الفريقين، أي لا يستويان، وكما لا يستوي العالمون والجاهلون لا يستوي القانتون والعاصون. إنما يتذكَّر أولو الألباب: أي: إنما يتَّعظ ويهتدي بهذه البيانات الواضحة أصحاب العقول الصافية الزكيّة.
وجه الربط:
بعد أن بيَّن الله تعالى في الآيات المتقدِّمة فساد مذهب المشركين في عبادة الأصنام، وأنّه لا دليل لهم على عبادتها، وبيّن تعالى أنّه هو الذي يجب أن يعبد وحده، وأنّه الغنيُّ عمَّا سواه من المخلوقات لا يفتقر إلى عبادتهم، ذكر تعالى هنا تناقض الإنسان وتقلُّبه وضعفه وقلَّة ثباته على نهج؛ إلا حين يتصل بربّه، ويتطلّع إليه، ويقنت له، فيعرف الطريق، وينتفع بما وهبه الله من عقل.
المعنى الإجمالي:
يخبر الله تعالى عن كرمه بعبده وإحسانه وبِرِّه، وقلّة شكر عبده، وأنّه حين يمسَّه الضُّرَّ من مرض، أو فقر، أو وقوع في كربة، أو غير ذلك من أنواع المكاره في جسم أو أهل أو مال، رجع إلى ربّه متضرِّعًا مستغيثًا به وحده في تفريج كربته، معرضًا عمَّا سواه من الشركاء؛ لأنه يعلم أنّه لا ينجيه في هذا الحال إلا الله، حتى إذا فرَّج الله كربه ونجَّاه، وكشف ما نزل به، وأعطاه وملَّكه نعمة من فضله ورحمته، وصار في حال رخاء ورفاهية نسي ربَّه الذي يدعوه، وترك دعاءه، أو نسي ذلك التضرّع والدعاء، فقال تعالى: {وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ} ، فهو في حال الشدّة يلجأ إلى الله ويستغيث به وحده وفي حال الرخاء ينسى ربّه ويغفل عن عبادته وطاعته، وهذا حال أكثر الناس، وقد قرَّره تعالى في آيات كثيرة منها قوله في سورة يونس: وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ
(يُتْبَعُ)