ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ (يونس:12) ، ومنه أيضًا: {وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا} (الإسراء:67) ، فإنّ هذا الإنسان ينسى تضرّعه وإنابته وتوحيده لربّه، وتطلّعه إليه وحده حين لم يكن غيره يملك أن يدفع عنه محنته ... ينسى هذا كلّه ويجعل لله شركاء يعبدها، من الأصنام أو غيرها، من هوى، أو جاه، أو أولاد ومطامع، فإنّ هذه كلها في حقيقتها شرك خفيّ لا يحسبه الناس شركًا؛ لأنّه لا يأخذ شكل الشرك المعروف وإنّما هو من الشرك في الصميم.
وتكون العاقبة والنتيجة هي الضلال والإضلال عن دين الله تعالى، فيُضِلّ بنفسه، ويُضلّ الناس بعمله هذا ويمنعهم من توحيد الله واتباع دينه وطريقه، وسبيل الله تعالى واحد لا يتعدَّد، وإفراده بالعبادة والتوجّه والحبّ هو وحده الطريق إليه.
ولهذا كلّه هدّد الله تعالى وأوعد ذلك الكافر المصرّ على الضلال فقال: {قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ} أي: قل أيها الرسول لمن هذه حالته وطريقته ومسلكه: استمتع أيها الإنسان الكافر تمتّعًا قليلًا أو زمانًا قليلًا هو مدّة أجلك، فمتاع الدنيا مهما طال فهو قليل، وأيام الفرد على هذه الأرض معدودة مهما عمَّر، بل الحياة كلّها لمتاع قليل حين تقاس إلى أيّام الله، كما قال تعالى: {نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ} .
وإلى جانب هذه الصورة المنفِّرة يذكر تعالى صورة أخرى ... صورة القلب الخائف الوجل، الذي يذكر الله ولا ينساه في سرّاء ولا ضرّاء، صورة المؤمن المطيع الخاشع العابد، الخائف الراجي، يعيش حياته في خوف من الآخرة وحذرٍ منها، وفي تطلّعٍ إلى رحمة ربّه وفضله، دائم الاتصال بخالقه سبحانه، مما ينشأ عنه العلم الصحيح المدرك لحقيقة وجوده، قال تعالى: {أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آَنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآَخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ} أي: أذلك الكافر أحسن مآلًا وحالًا، أم المؤمن بالله، الذي هو مطيع خاشع يصلّي في ساعات الليل، وخشوعه مستمرّ حال سجوده وحال قيامه. إنها صورةٌ مشرقةٌ مرهفةٌ، فالقنوت كما قيل: طول القيام، وطول القراءة، وهو السجود والخشوع، والذّلّ والخضوع لمن خضعت له النفوس، وذلّت له الرِّقاب، ورغمت له الأنوف.
فصاحب هذا القلب على بصيرة، وعلى علم، فهل يستوي هو والجاهل؟ قطعًا لا يستوي هؤلاء وهؤلاء؛ فالذين يعلمون محابّ الله ومكارهه، وهم يعملون على الإتيان بمحابّه، وترك مكارهه، ويدركون الحقّ، ويعرفون منهج الاستقامة، فيتَّبعونه ويعملون به، لا يستوون مع الذين لا يعلمون ما يحبّ الله وما يكره، فهم يتخبّطون في الضلال خبط عشواء، ويسيرون في متاهة وضلال، قال تعالى: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ} نعم، لا يستوي العالمون والجاهلون، ولا يستوي القانتون والعاصون، فالتسوية بينهم تصادم الحق والعدل كما سبق عند قوله تعالى: {وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (19) وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ (20) وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ (21) وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ (22) } . (فاطر:19 - 22) ، وإنما يعلم الفرق بين هؤلاء وهؤلاء أهل العقول الزكية الذكية، فهم الذين يؤثرون الأعلى على الأدنى، والعلم على الجهل، وطاعة الله على مخالفته؛ لأنّ لهم عقولًا ترشدهم للنظر في العواقب، بخلاف من لا لُبَّ له، ولا عقل، فإنّه يتَّخذ إلهه هواه. سبحان الله ما أجلّ كلام الله!
وهنا وتساؤل ووقفة مع هذه الآية الكريمة، ما هو العلم الحقيقي المطلوب في هذه الآية؟ العلم هو المعرفة، والمعرفة هي إدراك الحق، ومن ثَمَّ العمل بهذا العلم، وهذا هو: القنوت لله؛ استشعار الحذر من الآخرة يوجب الخوف وترك المعاصي، والتطلّع إلى رحمة الله وفضله توجب مراقبة الله تعالى مراقبة مثمرة لفعل الأوامر، واجتناب النواهي، بل وإيثار محابّ الله، وذِكره، وتدبّر كلامه.
(يُتْبَعُ)