ـ [محمد بن إبراهيم الحمد] ــــــــ [07 Nov 2006, 05:10 م] ـ
خامسًا: نبذة عن افتراق الفلاسفة:
الفلسفة تقوم على الأوهام، والخيال، والظن؛ لأنها لا ترتكز على وحي معصوم، وإنما تقوم على نتاج العقولِ، والعقول مهما بلغت فلن تستقل بمعرفة الشرائع، وحقائق الكون، وصحة النظر بكل حال.
ولهذا فإن الاختلاف، والافتراق، والاضطراب دأب الفلاسفة.
ومن الأمور التي يتضح من خلالها افتراق الفلاسفة ما يلي:
1 -أن آراء الفلاسفة فردية ليس لها معيار ثابت: فهي تختلف باختلاف الفيلسوف، وبيئته، وثقافته، ورؤيته وزاوية بحثه؛ فالمادي يبحث في الحقيقة المادية، والفيلسوف الميتافيزيقي يبحث في الحقيقة الميتافيزيقية، وهكذا ...
2 -أن الحقيقة في أدوار الفلسفة غير ثابتة: فلكل فيلسوف وجهته، وكل فيلسوف يناقض غيره.
ثم إن ثقافة الفيلسوف، وبيئته، وأستاذه، وتيارات مجتمعه كل أولئك لهم تأثيرهم في رؤية الفيلسوف وصنع عقليته.
3 -كثرة اضطراب الفلاسفة وشكهم: قال شيخ الإسلام ابن تيمية
-رحمه الله- في معرض حديث له عن الفلاسفة والمتكلمين:(أنك تجدهم أعظم الناس شكًا واضطرابًا، وأضعف الناس علمًا وبيانًا، وهذا أمر يجدونه في أنفسهم، ويشهده الناس منهم، وشواهد ذلك أعظم من أن نذكرها.
وإنما فضيلة أحدهم باقتداره على الاعتراض، والقدح، والجدل.
ومن المعلوم أن الاعتراض والقدح ليس بعلم و لا فيه منفعة.
وأحسن أحوال صاحبه أن يكون بمنزلة العامي، وإنما العلم في جواب السؤال، ولهذا تجد غالب حججهم تتكافأ؛ إذ كل منهم يقدح في أدلة الآخر) [1] .
سادسًا: مذهب متقدمي الفلاسفة في الإلهيات والشرائع:
الفلاسفة المتقدمين كأرسطو وغيره أجهل الناس في الشرائع والأمور الإلهية، وأكثرهم اضطرابًا وتناقضًا، وأكثر كلامهم فيها خبط عشواء؛ لأنهم لم يستضيئوا بأنوار الرسالة، ولا كانت عندهم شريعة.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-:(للمتفلسفة في الطبيعيات خوض وتفصيل تميزوا به بخلاف الإلهيات؛ فإنهم من أجهل الناس بها، وأبعدهم عن معرفة الحق فيها.
وكلام أرسطو معلمهم فيها قليل كثير الخطأ فهو لحم جمل غثٍّ على رأس جبل وعرٍ؛ لا سهل فيرتقى، ولا سمين فيقلى) [2] .
وقال -رحمه الله- في معرض حديث له عن الفلاسفة وأهل الكلام: (لكن من المعلوم من حيث الجملة أن الفلاسفة والمتكلمين من أعظم بني آدم حشوًا وقولًا للباطل، وتكذيبًا للحق في مسائلهم ودلائلهم، لا يكاد - والله أعلم - تخلو لهم مسألة واحدة عن ذلك) [3] .
وإليك فيما يلي نماذجَ من ضلالات الفلاسفة على سبيل الإجمال:
1 -يقولون بقدم العالم.
2 -يقولون: بأن الله يعلم الكليات دون الجزئيات.
3 -يقولون: بأن منزلة الفيلسوف كمنزلة النبي، وربما فضل بعضهم الفيلسوف على النبي.
4 -يقولون: بحشر الأرواح دون الأجساد.
5 -يقولون: بأن الجنة والنار أمثال مضروبة وخيالات؛ لتفهيم العوام، وضبطهم دون أن يكون لها حقيقة في الخارج.
6 -يرون: أن العقل مقدم على الوحي.
هذا وسيأتي مزيد بيان لهذا عند الحديث عن معتقد الفارابي وابن سينا.
سابعًا: معتقد الفارابي و ابن سينا:
1 -تعريف بالفارابي: هو أبو نصر محمد بن محمد بن أوزلغ بن طرخان ولد سنة 259ه- في فاراب وهي مدينة من بلاد الترك من أرض خراسان، وكان أبوه قائد جيش، وهو فارسي المنسب، وكان ببغداد مدة ثم انتقل إلى الشام، وأقام بها إلى حين وفاته.
كان متقنًا للفلسفة، بارعًا في العلوم الرياضية، وكانت له قوة في صناعة الطب ولم يباشر أعمالها.
وكان قوي الذكاء، ذا زهد وبعد عن الدنيا.
ويذكر أنه كان في أول أمره قاضيًا، فلما شعر بالمعارف نبذ ذلك، وأقبل بكليته على تعلمها.
ويذكر أنه صنع آلة غريبة يستمع منها ألحانًا يحرك بها الانفعالات.
ويذكر أن سبب قراءته للفلسفة أن رجلًا أودع عنده جملة من كتب أرسطو طاليس؛ فاتفق أن نظر فيها؛ فوافقت منه قبولًا، فتحرى قراءتها، ولم يزل حتى أتقن فهمها، وصار فيلسوفًا من كبار الفلاسفة.
وقال الفارابي عن نفسه: إنه تعلم الفلسفة من يوحنا بن جيلان إلى آخر كتاب البرهان.
وكان يحسن عدة لغات غير العربية: منها التركية، والفارسية، ويلم بالسريانية.
أما وفاته فكانت في رجب سنة 339ه- عند سيف الدولة علي بن حمدان في خلافة الراضي، وصلى عليه سيف الدولة في دمشق في خمسة عشر رجلًا من خاصته [4] .
(يُتْبَعُ)