ج- قوله تعالى: {يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ} أي يبتدئ خلقكم ويقدِّره في بطون أمهاتكم في مراحل متعاقبة متدرجة من نطفة إلى علقة إلى مضغة ثم يتكون العظام، ثم تكسى العظام باللحم والعروق والأعصاب، ثم تنفخ فيه الروح، فيصير إنسانًا خلقًا آخر في أحسن تقويم. وتكون مراحل خلق الإنسان في ظلمات أغشية ثلاثة هي: ظلمة البطن، وظلمة الرحم، ثم ظلمة المشيمة.
ثمَّ ذيَّل هذه الآية الكريمة كالآية السابقة بما تشير إلى الهدف وهو: الإيمان بالموجد الخالق المنشئ، فقال تعالى: {ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ} أي هذا الذي خلق السموات والأرض وما بينهما، وخلق الإنسان هو الربُّ المربِّي لكم، الذي له الملك الحقيقي المطلق في الدنيا والآخرة، الواحد الأحد الذي لا إله إلا هو، ولا يشاركه أحد فيه، فلا تنبغي العبادة إلا له، فكيف تعبدون معه غيره، مع ما يوجب استحقاقه لها، وكيف تعدلون عن الحق بعد هذا البيان.
وبعد أن بيَّن الحق جل جلاله بالأدلَّة القطعة وجوب الإيمان به ووجوب الإخلاص في عبادته، أعلم عباده أنَّ كفرهم به لا يضرُّه أبدًا؛ لأنَّه هو الغنيُّ عمَّا سواه من المخلوقات، فقال تبارك وتعالى: {إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ} وهذا كقوله تعالى حكاية عن موسى عليه السلام: {وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ} . وكما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي:"لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجِنَّكم كانوا على أفجر قلب رجل منكم، ما نقص ذلك من ملكي شيئًا".
ثمَّ ذكر تعالى أنه لكمال إحسانه بعباده لا يرضى لهم الكفر، لما يسببه لهم من شقاء وخسران، كما أنهم إن آمنوا وشكروا يرضى لهم ذلك، لرحمته بهم، فيثيبهم أحسن ثواب، ويجزيهم أحسن جزاء، قال تعالى: {وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ} .
ثمَّ أعلن تعالى مبدأ المسؤولية الفردية في الدنيا والآخرة الذي هو من مفاخر الإسلام، فقال تبارك وتعالى: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} أي لا تحمل نفس عن نفس شيئًا من الآثام والذنوب، بل كل إنسان مطالب بأمر نفسه وعمله من خير أو شرّ، وهي كقوله تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ} (المدثر:38) ، وقوله تعالى: {كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ} (الطور:21) . والجزاء على قدر العمل، فقال تعالى: {ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} أي مآلكم ومصيركم إلى ربكم يوم القيامة، فيخبركم بأعمالكم من خير وشرّ، إنه خبير بما تضمره القلوب وتستره، فلا تخفى عليه خافية.
هداية الآيات:
1 -بيان بطلان الشرك، والتنديد بالمشركين؛ لقوله عز وجل: {لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ} .
2 -وجوب تنزيه الله تبارك وتعالى عن كل ما وصفه به الكافرون الجاحدون؛ لقوله تعالى: {سُبْحَانَهُ} .
3 -إثبات خلق السموات والأرض، وأنه سبحانه خلقهما بالحق، ولم يخلقهما باطلًا أو عبثا؛ لقوله تعالى: {خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ} . ويترتَّب على هذه الفائدة الردّ على الفلاسفة والطبائعيين الذين يقولون بقدم العالَم، وأنه أزلي، فقوله تعالى: {خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} أي أوجدهما من العدم.
4 -أن خلق السموات والأرض، وتعاقب الليل والنهار، وتسخير الشمس والقمر، وخلق الإنسان في أصله، وخلق ثمانية أزواج من الأنعام، دليل على وجود الله وكمال قدرته واستغنائه عن الصاحبة والولد.
5 -دلَّ تكوير الليل على النهار، وتكوير النهار على الليل على كروية الأرض ودورانها حول نفسها.
6 -دلّ تسخير الشمس والقمر بالطلوع والغروب لمنافع العباد، وجريانهما في فلكهما إلى يوم القيامة، على كمال قدرة الله ودِقَّة نظامه ومراعاته مصالح العباد؛ {وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمّىً} .
(يُتْبَعُ)