الحاصل أن قوله: يُنْصَبُ المراد به جوازًا لا وجوبًا، ف حينئذٍ الباب كله من أوله إلى آخره البحث فيه في جواز النصب، فإذا استوفى المفعول له شروطه على الوجه المرضي عندهم -خمسة شروط- حينئذٍ نحكم عليه بأنه يجوز نصبه ويجوز جره باللام.
يُنْصَبُ المصدر، يُنْصَبُ هذا فعل مضارع مغير الصيغة، ومَفْعُولًا لَه هذا حال من المصدر، ينصب المصدر حال كونه مفعولًا له، اَلْمَصْدَرُ هذا نائب الفاعل، مَفْعُولًا لَه تقدمت الحال على صاحبها، وهذا جائز، ينصب المصدر حال كونه مفعولًا له، وما الناصب له؟ أطلق الناظم هنا، لم يعين الناصب للمفعول له، فنقول: العامل فيه الفعل قبله؛ إن كان فعل، إن وجد فعل، الفعل قبله على تقدير حرف العلة عند الجمهور من البصريين، الفعل قبله -قبل المفعول له- على تقدير حرف العلة عند جمهور البصريين، فعليه في حقيقته هو من المفعول به بعد نزع الخافض، وكأنه مفعول به، لكن نزع حرف الجر، ضربت ابني تأديبًا يعني: لتأديبٍ، هذا الأصل، حذف حرف العلة، ثم انتصب، وسبق أن المجرور إذا حذف حرف الجر حينئذٍ ينتصب ما بعده:
وَعَدِّ لاَزِمًَا بِحَرْفِ جَرِّ
نَقْلًا ... وَإِنْ حُذِفْ فَالنَّصْبُ لْلِمُنْجَرِّ
ومنه هذا الباب باب المفعول له، وهو أنه في الأصل مجرور بحرف علة، حرف الجر وهو حرف تعليل، فلما حذف حرف العلة حينئذٍ انتصب، فحقيقته هو من المفعول به.
وقال الزجاج: ناصبه فعل مقدر من لفظه، والتقدير جئتك، لو قال: جئتك إكرامًا، جئتك أكرمك إكرامًا، صار من باب المفعول المطلق، ولذلك الزجاج والكوفيين يرون أنه من المفعول المطلق، لماذا؟ لأن العامل فيه ليس هو الفعل المذكور، وإنما هو فعل مقدر من لفظ المصدر المذكور، وإذا كان كذلك صار مثل جلست قعودًا، جلست وقعدت قعودًا، قعدت جلوسًا، قعدت وجلست جلوسًا، جئت إكرامًا لك، جئت أكرمك إكرامًا، فحينئذٍ نقدر له فعلًا من لفظ المصدر المذكور، وعليه فهو مفعول مطلق.
وقال الكوفيون: ناصبه الفعل المتقدم عليه؛ لأنه ملاقٍ له في المعنى، مثل قعدت جلوسًا، وعليه أيضًا فهو مفعول مطلق عند من أعرب جلوسًا في قعدت جلوسًا مفعولًا مطلق، على مذهب الكوفيين، هو ما قبله، المصدر الذي قبله؛ لكونه ملاقٍ له في المعنى، الفعل الذي قبله لكونه ملاقٍ له في المعنى، وإذا لاقاه في المعنى حينئذٍ صار من باب قعدت جلوسًا، فقعدت جلوسًا هذا مفعول مطلق كما سبق، خلافًا لابن مالك الذي قال: وَافْرَحِ الْجَذَلْ يكون من باب النيابة، حينئذٍ يكون كذلك من باب المفعول المطلق، وهذا توجه تأويلهم للباب كله وجعله للباب السابق.
يُنْصَبُ مَفْعُولًا لَه الْمصْدَرُ.