وَقَدْ عَلِمْتَ أَيُّهَا النَّاظِرُ أَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ مَا يَقْضِي بِهِ الْعَقْلُ يَكُونُ حَقًّا [1] ، وَلِذَلِكَ تَرَاهُمْ يَرْتَضُونَ الْيَوْمَ مَذْهَبًا، وَيَرْجِعُونَ عَنْهُ [2] غَدًا، (ثُمَّ يَصِيرُونَ بَعْدَ غَدٍ) [3] إِلَى رَأْيٍ ثَالِثٍ. وَلَوْ كَانَ كُلُّ مَا يَقْضِي بِهِ حَقًّا [4] لَكَفَى فِي إِصْلَاحِ مَعَاشِ الْخَلْقِ وَمَعَادِهِمْ، وَلَمْ يَكُنْ لِبَعْثَةِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ (السَّلَامُ فَائِدَةٌ، وَلَكَانَ [5] عَلَى هَذَا الْأَصْلِ تُعَدُّ [6] [7] الرِّسَالَةُ [8] عَبَثًا لَا مَعْنَى لَهُ، وَهُوَ كُلُّهُ بَاطِلٌ، فَمَا [9] أَدَّى إِلَيْهِ مِثْلُهُ.
فَأَنْتَ تَرَى أَنَّهُمْ قَدَّمُوا أَهْوَاءَهُمْ عَلَى الشَّرْعِ، وَلِذَلِكَ سُمُّوا ـ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ، وَفِي إِشَارَةِ الْقُرْآنِ ـ أَهْلَ الْأَهْوَاءِ [10] ، وَذَلِكَ لِغَلَبَةِ الْهَوَى عَلَى عُقُولِهِمْ وَاشْتِهَارِهِ فِيهِمْ، لِأَنَّ التَّسْمِيَةَ بالمشتق إنما تطلق [11] إِطْلَاقَ اللَّقَبِ إِذَا غَلَبَ مَا اشْتُقَّتْ مِنْهُ عَلَى الْمُسَمَّى بِهَا، فَإِذًا تَأْثِيمُ مَنْ هَذِهِ صِفَتُهُ ظَاهِرٌ، لِأَنَّ مَرْجِعَهُ إِلَى اتِّبَاعِ الرَّأْيِ، وهو اتباع الهوى المذكور آنفًا.
والرابع: أَنَّ كُلَّ رَاسِخٍ لَا يَبْتَدِعُ أَبَدًا، وَإِنَّمَا يقع الابتداع ممن لم يتمكن في [12] الْعِلْمِ الَّذِي ابْتَدَعَ فِيهِ، حَسْبَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الحديث [13] ، ويأتي تقريره بحول الله [14] .
(1) تقدم الكلام على العقل وقصوره في بداية الباب الثاني (ص62 ـ 64) .
وسيفرد المؤلف لهذا الموضوع فصلًا مستقلًا في الباب العاشر، حيث سيذكره كسبب من أسباب الابتداع (2/ 318 ـ 337) .
(2) ساقطة من (غ) و (ر) .
(3) ما بين المعكوفين ساقط من (ت) .
(4) مطموسة في (ت) .
(5) في (غ) : ولو كان.
(6) في (م) :"يعد"، وفي (خ) :"بعده"، وفي (غ) :"بعد"، وفي (ر) :"بعث".
(7) ما بين المعكوفين مطموس في (ت) .
(8) في (غ) و (ر) : الرسل.
(9) في (م) :"مما".
(10) أما الحديث الذي سموا فيه بأهل الأهواء، فهو حديث عائشة وقد مر ذكره والحكم عليه (ص90) ، وأما الآيات فقد تقدم ذكر المؤلف لها في الوجه الخامس من أوجه ذم البدع من جهة النظر (ص70 ـ 72) .
(11) في (م) و (خ) و (ط) :"يطلق".
(12) في (ط) :"من".
(13) لعله يريد حديث عبد الله بن عمرو المتقدم: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ من الناس) إلى قوله: حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ عَالِمٌ اتَّخَذَ النَّاسُ رؤوسًا جهالًا فسألوهم فأفتوهم فضلوا وأضلوا)، وقد تقدم في الباب الثاني (ص125) .
(14) وذلك في الفصل الآتي (ص275) ، وانظر بداية الباب الرابع أيضًا.