فهرس الكتاب

الصفحة 771 من 1328

وهذا الاحتجاج [1] إِلى اللَّعِبِ أَقرب مِنْهُ إِلى الْجَدِّ، وأَقرب مَا فِيهِ أَن أَحدًا مِنَ الْعُلَمَاءِ لَا يُشْتَرَطُ فِي الدعاءِ أَن لَا يَلْحَنَ كَمَا يَشْتَرِط الإِخلاصَ وصدقَ التَّوَجُّه [2] ، وعزمَ المسأَلة، وغيرَ ذَلِكَ مِنَ الشُّرُوطِ. وتعلُّمُ [3] اللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ لإِصلاح الأَلفاظ فِي الدعاءِ ـ وإِن كَانَ الإِمامُ أَعرفَ بِهِ ـ؛ هُوَ كَسَائِرِ مَا يَحْتَاجُ إِليه الإِنسان مِنْ أَمر دِينِهِ. فإِن كَانَ الدُّعَاءُ مُسْتَحَبًّا، فالقراءَة وَاجِبَةٌ، وَالْفِقْهُ فِي الصَّلَاةِ كَذَلِكَ، فإِن كَانَ تعليمُ [4] الدُّعَاءِ إِثر الصَّلَاةِ مَطْلُوبًا، فَتَعْلِيمُ [5] فِقْهِ الصَّلَاةِ آكَدُ، فَكَانَ مِنْ حَقِّه أَن يَجْعَلَ ذَلِكَ مِنْ وَظَائِفِ آثار الصلوات [6] .

فإِن قال [7] بموجبه في الحِزْبِ [8] الْمُتَعَارَفِ، فَهَذِهِ الْقَاعِدَةُ تَجْتَثّ أَصله؛ لأَن السَّلَفَ الصَّالِحَ كَانُوا أَحقَّ بالسَّبْق إِلى فَضْلِهِ؛ لِجَمِيعِ مَا ذُكر فِيهِ مِنَ الْفَوَائِدِ، وَلِذَلِكَ قَالَ مالك بن أنس [9] فِيهَا: أَترى النَّاسَ الْيَوْمَ كَانُوا أَرغبَ فِي الْخَيْرِ مِمَّنْ مَضَى؟ وَهُوَ إِشارة إِلى الأَصل الْمَذْكُورِ، وَهُوَ أَن الْمَعْنَى المُقْتَضي للإِحداث ـ وَهُوَ الرَّغْبَةُ فِي الْخَيْرِ ـ كَانَ أَتمَّ فِي السَّلَفِ الصالح، وهم لم يفعلوه، فدل أَنَّهُ لَا يُفْعَل.

وأَما مَا ذُكِرَ مِنْ آداب [10] الدعاءِ: فكُلُّه مما لَا يتعيَّن لَهُ [11] إِثر الصَّلَاةِ، بِدَلِيلِ: أَن رسول الله صلّى اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ علَّم مِنْهَا جُمْلَةً كَافِيَةً، وَلَمْ يُعَلِّم مِنْهَا شَيْئًا إِثر الصَّلَاةِ، وَلَا تَرَكَهُمْ دُونَ تَعْلِيمٍ ليأْخذوا ذَلِكَ مِنْهُ فِي آخِرِ الصَّلَاةِ، أَو لِيَسْتَغْنُوا بِدُعَائِهِ [12] عَنْ تَعْلِيمِ ذَلِكَ، وَمَعَ أَن الْحَاضِرِينَ للدعاءِ لَا يَحْصُلُ لهم من الإِمام فِي ذَلِكَ كَبِيرُ شَيْءٍ، وإِن حَصَلَ فَلِمَنْ كَانَ قَرِيبًا مِنْهُ دُونَ مَنْ بَعُدَ.

(1) في (خ) و (م) :"الاجتماع".

(2) في (خ) و (م) :"التوجيه"، وعلق عليه رشيد رضا بقوله: أي: توجيه القلب إلى الله تعالى المأخوذ من قوله تعالى: {وَجَّهْتُ وَجْهِي لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ} ، ويحتمل أن يكون:"التوجه"الذي مطاوع التوجيه. اهـ.

(3) في (ر) و (غ) :"وتعليم".

(4) في (غ) و (ر) :"تعلم".

(5) في (ر) و (غ) :"فتعلم".

(6) في (خ) و (م) :"الصلاة".

(7) في (خ) و (م) :"فإن قيل".

(8) في (م) :"المحزب"، وفي (خ) يشبه أن تكون:"المحرف".

(9) قوله:"ابن أنس"من (غ) و (ر) فقط، ونقل المصنف كلام مالك هذا في"الموافقات" (3/ 497) .

(10) في (غ) و (ر) :"أدب".

(11) قوله:"له"ليس في (غ) .

(12) في (غ) :"عن دعائه".

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت