وإِنما يوجد فيه [1] النهي من جهة كونه [2] تَشْرِيعًا مَوْضُوعًا عَلَى النَّاسِ أَمرَ وجوبٍ أَو ندبٍ، إِذ لَيْسَ فِيهِ جِهَةٌ أُخرى يَكُونُ بِهَا مَعْصِيَةً؛ بَلْ نَفْسُ التَّشْرِيعِ هُوَ نَفْسُ الْمَمْنُوعِ.
وَكَذَلِكَ تَقْدِيمُ الْجُهَّالِ عَلَى العلماءِ، وَتَوْلِيَةُ الْمَنَاصِبِ الشَّرْعِيَّةِ [3] مَنْ لَا يَصْلُحُ [4] بِطَرِيقِ التَّوْرِيثِ، هُوَ مِنْ قَبِيلِ مَا تَقَدَّمَ، فإِن جَعْلَ الْجَاهِلِ [5] فِي مَوْضِعِ الْعَالِمِ حَتَّى يَصِيرَ مُفْتِيًا فِي الدِّينِ، وَمَعْمُولًا بِقَوْلِهِ فِي الأَموال والدماءِ والأَبضاع وَغَيْرِهَا مُحَرَّمٌ فِي الدِّينِ، وَكَوْنُ ذَلِكَ يُتّخذ [6] دَيْدَنًا حَتَّى يَصِيرَ [7] الِابْنُ مُسْتَحِقًّا لِرُتْبَةِ الأَب ـ وإِن لَمْ يَبْلُغْ رُتْبَةَ الأَب فِي ذَلِكَ الْمَنْصِبِ ـ بِطَرِيقِ الْوِرَاثَةِ أَو غَيْرِ ذَلِكَ، بحيث يشيع هذا العمل ويطَّرد، ويَعُدّه [8] النَّاسُ كَالشَّرْعِ الَّذِي لَا يُخالف؛ بِدَعَةً [9] بِلَا إِشكال، زِيَادَةً إِلى الْقَوْلِ بالرأْي غَيْرِ الْجَارِي عَلَى الْعِلْمِ، وَهُوَ بِدْعَةٌ، أَو سببُ البدعةِ كَمَا سيأْتي تَفْسِيرُهُ إِن شاءَ اللَّهُ، وَهُوَ الَّذِي بَيَّنَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ:"حَتَّى إِذا لَمْ يَبْقَ عَالِمٌ؛ اتَّخَذَ الناس رؤساءَ [10] جهالا، فَسُئلوا، فأَفتوا بغير علم، فضَلّوا وأَضلوا" [11] ، وإِنما ضلوا وأضلوا؛ لأَنهم أَفتوا بالرأْي؛ إِذ لَيْسَ عِنْدَهُمْ عِلْمٌ.
وأَما إِقامة صُوَرِ الأَئمة وَالْقُضَاةِ وَوُلَاةِ الأُمور [12] عَلَى خِلَافِ ما كان
(1) في (خ) و (م) و (ت) :"به".
(2) في (خ) و (ت) و (م) :"كونها".
(3) في (ت) و (خ) :"الشريفة".
(4) في (ر) و (غ) :"لا يصلح بها"، وفي (ت) :"لا يصلح لها"، وعلّق رشيد رضا هنا بقوله: أي: لا يصلح هنا. اهـ.
(5) في (م) :"الجهال".
(6) في (ت) :"يصير"، وذكر بهامشها أن في نسخة:"يتخذ".
(7) في (ت) :"يكون"بدل"يصير".
(8) في (خ) و (ت) و (م) :"ويرده".
(9) قال رشيد رضا: قوله:"بدعة": هو خبر:"وكذلك تقديم الجهال".اهـ.
(10) في (خ) :"رءوسًا".
(11) أخرجه البخاري (100) و (7307) ، ومسلم (2673) من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما.
(12) في (خ) و (ت) و (م) :"الأمر".