فهرس الكتاب

الصفحة 469 من 838

التوبة واجبة، فقد أوجبها الله على كل المؤمنين قاطبة، قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا} [التحريم:8] ، فهذا أمر، والظاهر في الأمر الوجوب، وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ} [التحريم:8] ، إلى آخر الآيات، وأيضًا قال الله تعالى آمرًا عباده المؤمنين: {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [النور:31] ، وقال تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [الحجرات:11] ، فقسم الناس إلى قسمين: تائب وظالم، فيدل ذلك على أن الذي لا يحدث لذنبه توبة، فهو ظالم، بعيد عن الله جل وعلا.

أيضًا في السنة قد أمر النبي صلى الله عليه وسلم المؤمنين بالتوبة، فالصحابة الذين هم أجل الناس وأعظمهم قدرًا عند الله جل وعلا، قد أمرهم الرسول أن يكثروا من التوبة، فقد ورد عنه صلى الله عليه وسلم -كما في صحيح مسلم عن الأغر بن عبد الله المزني - أنه قال في مجلس الصحابة: (يا أيها الناس! توبوا إلى الله، فإني أتوب إلى الله في اليوم سبعين مرة) .

وفي الصحيح أيضًا عن ابن عمر: أنهم كانوا يعدون للنبي صلى الله عليه وسلم أكثر من سبعين مرة، أي: يستغفر الله ويتوب إليه، فقد كان يأتمر بأمر الله عند أن قال له: {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا} [النصر:3] .

فالتوبة مأمور بها كل مؤمن، حتى وإن لم يستحدث ذبًا، فإنه يستغفر لتقصيره في طاعة الله؛ لأن التقصير في طاعة الله ذنب، ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل الخلاء وخرج منه يستغفر الله، فقال: (إنه ليران على قلبي) .

والعلماء استنبطوا من ذلك أنه إذا دخل الخلا لم يذكر الله جل وعلا بلسانه، فكان يستغفر الله عندما يخرج، مع أن قلبه ذاكر لله جل وعلا، ولكنه يستغفر بعد الخروج لأن لسانه كف عن ذكر الله جل وعلا، وقد كانت وصيته صلى الله عليه وسلم: (اجعل لسانك رطبًا بذكر الله جل وعلا) .

جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (يا رسول الله! عبد يذنب الذنب، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: يكتب عليه، يعني: يكتب أنه أذنب الذنب، فقال: يا رسول الله! أرأيت لو استغفر، قال: يغفر له، قال: ثم أذنب، قال: يكتب عليه، قال: ثم استغفر، قال: يغفر له، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والله إن الله لا يمل حتى تملوا) ، يعني: كلما فعلتم الذنوب ثم استغفرتم فإن الله سيغفر لكم.

وأيضًا في مسند أحمد ورد (أنه جاء رجل مستغفرًا ربه فقال: إني قد أذنبت ذنبًا، فقال الله تعالى: عبدي علم أن له ربًا يأخذ بالذنب ويغفره، اشهدوا أني قد غفرت له، ثم عاد فاقترف نفس الذنب مرة ثانية بعد أن عزم على الإقلاع، ثم جاء فقال: رب إني قد أذنبت ذنبًا فاغفر لي، فقال الله جل وعلا: عبدي علم أن له ربًا يأخذ بالذنب ويغفر، اشهدوا أني قد غفرت له، ثم جاء الثالثة، فقال الله تعالى: عبدي افعل ما شئت ثم استغفرني فسأغفر لك) .

ولا عجب في ذلك، فإن الله جل وعلا يفرح أشد الفرح بتوبة العبد المذنب، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولأتى بقوم يذنبون ثم يستغفرون فيغفر الله لهم) .

وفي الصحيح أيضًا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (الله أشد فرحًا بتوبة العبد من أحدكم كانت معه راحلة في وهدة من أرض قاحلة، ما فيها شيء، وكانت الراحلة عليها زاده ومتاعه فرحلت عنه، فعلم أن الموت سيأتيه، ثم ذهب إلى ظل شجرة يستظل بها وهو ينتظر الموت، فنام ثم استيقظ فوجد الراحلة أمامه، فمن شدة الفرح قال: اللهم أنت عبدي وأنا ربك) ، والله جل وعلا يعذره؛ لأنه من شدة الفرح قد يحدث الذهول للمرء، فلا يؤآخذ على ما يقول.

فالله جل وعلا أشد فرحًا بتوبة العبد من هذا الذي فرح بقدوم راحلته إليه، والمراد التوبة الحقيقية، فيجب أن نحث أنفسنا وغيرنا على التوبة.

والتوبة ليست بجهد منا، بل إنما التوبة من الله جل وعلا، فالتوبة محفوفة بتوبتين: توبة قبلية، وتوبة بعدية، وكلاهما من الله جل وعلا، لكن التوبة البعدية هي قبول توبة العبد، قال الله تعالى عن الثلاثة الذين خلفوا: {وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا} [التوبة:118] ، أولًا: تاب عليهم، أي: أودع في قلوبهم التوبة، وبعد ذلك: مكنهم أن يرفعوا الأيدي، وأن يتذللوا ويتضرعوا ويخضعوا لله جل وعلا توبة إليه، فيقبل هذه التوبة، فالتوبة محفوفة بتوبتين توبة قبلية من الله جل وعلا، وتوبة بعدية هي منه سبحانه أيضًا، أي: قبول توبة العبد التي هي في الوسط.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت