إن الصحابة هم الخيار والأفاضل والأماجد، وهم الذين جعلهم الله جل وعلا يجوبون ربوع الأرض فسادوا وقادوا في مدة وجيزة من عمر الزمن، ثم نشروا دين الله جل وعلا، وكانت مهتم في هذه الدنيا: هي تعبيد الناس لربهم، كما بين ذلك ربعي بن عامر، عندما دخل على رستم عزيزًا برمحه يقطع فرشه التي من حرير، ثم يطأ عليها ببغلته، فيقال له: دع بغلتك في الخارج، ودع سلاحك، فيقول: لا والله! دعوتموني فسأدخل كما أريد، فقال رستم: دعوه، فدخل، فقطع وسادة ثم ربط بغلته، وأخذ برمحه يضرب ويطعن في فراشه الوفير، بعزة المسلم، بشموخ لا تذلل فيه إلا لله جل وعلا وحده فتعجب منه رستم وقال: يا هذا! من أنتم؟ وماذا تريدون؟ فقال ربعي -يبين دعوتنا، ومنهجنا ومهمتنا في هذه الدنيا-: نحن عباد لله، ابتعثنا الله لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ولنخرجهم من ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة.
وإنما سعة الدنيا والآخرة بالذل لله، والتوكل عليه، والصدق معه سبحانه وتعالى.
وصحابة رسول الله هم الذين جاءنا الدين على أكتافهم غضًا طريا، فتبًا تبًا لمن يسبهم.
قال أبو زرعة الرازي -وهو الإمام المعروف الذي قال عنه الإمام أحمد: ما جاوز هذا الجسر مثل أبي زرعة، فقد كان حافظًا ثقة ثبتًا.
وقال عنه ابن أبي حاتم -وهو ابن خالته-: لما مات أبو زرعة ما خلف بعده مثله.
وكان يقول بعض علمائنا: أبو زرعة يا أبا حاتم أحفظ من البخاري.
وكان صاعقة في الحفظ، وكان فطنًا لبيبًا، ينظر إلى الذين يتنطعون ويسبون أصحاب رسول الله فيرد عليهم: من سب أو انتقص قدر صحابي فهو زنديق، إذ أنه يلمح بضرب الشريعة، والشريعة لم تأتنا إلا عن طريق الصحابة، فإن لم تعدل الصحابة فلا شريعة، وقال: من انتقص من قدرهم فهو زنديق، وهم العدول قد عدلهم الله جل وعلا، وعدلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فهؤلاء هم القدوة والأسوة الذين نفتخر بأنهم أجدادنا حقًا، لا فرعون ولا هرقل ولا كسرى ولا قيصر، إنما أفتخر بأجدادي حقًا: كـ خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وأبي عبيدة بن الجراح وأبي دجانة الذي تبختر ومشى مشية التعجب بين الصفين ورسول الله يشكر له هذه المشية ويقول: (هذه مشية -أي: مشية التفاخر والتبختر والكبر- يبغضها الله إلا في هذا الموقف) ؛ لأنه يعتو ويتكبر على المتكبرين الكافرين.
وأبو دجانة هو الذي أخذ سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم بحقه بعد أن هز النبي الخشبة -وهذه من معجزاته- فأصبحت سيفًا، فقال: من يأخذ هذا السيف بحقه؟ فقام الزبير بن العوام حواري رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي هو أول من أشهر سيفًا في سبيل الله، والذي قام في مقتلة عظيمة بينه وبين الروم يشق الصفوف ويقتل يمينًا ويسارًا، ويرجع ويقول: هل منكم من يستطيع أن يفعل ذلك؟! فقال: أنا يا رسول الله! فيجلسه، ثم يقوم الثانية فيجلسه، ثم يقوم أبو دجانة فيقول: أنا يا رسول الله! آخذ هذا السيف بحقه.
ثم تأتي الغزوة فيربط أبو دجانة عصابة حمراء على رأسه، ويقول الصحابة من الأنصار -مفتخرين به-: ربط أبو دجانة عصابة الموت، فينزل في ساحة الوغى فيقتل مقتلة عظيمة في أهل الكفر، ثم يجد امرأة تجهز على كل جريح من المسلمين، فرفع عليها السيف، فلما رآها امرأة -وكانت هندًا رضي الله عنها وأرضاها قبل أن تسلم- لم يقتلها، وقال بعدما علاها بالسيف: أترفع بسيف رسول الله أن يقتل امرأة، وتركها ورحل رضي الله عنه وأرضاه.