فهرس الكتاب

الصفحة 682 من 838

حكم هذه الطائفة، أو حكم الخوارج، أو النواصب، أو الحرورية، أهم كفار أم هم مسلمون؟ اختلف العلماء في ذلك على قولين: طائفة قالوا: هم كفار خرجوا من الدين، وهي رواية عن أحمد والشافعي ومالك، ويستدل لهم بأمور: أولًا: بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية) .

يعني: إذا خرج السهم من القوس فلا يرجع إليه.

ثانيًا: يستدل لهم بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لأقتلهم قتل عاد وإرم) .

فشبههم بعاد وإرم وهم كفار.

أما دليلهم من النظر: فهم قتلوا عليًا استحلالًا، وأرادوا قتل معاوية استحلالًا، وقتلوا كذلك المسلمين استحلالًا، ومن استحل دم المسلم كفر بذلك.

والدليل على أن الاستحلال محرم ويكفر بذلك المرء قوله تعالى: {وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ} [النحل:116] ، فهذا الاستحلال من باب الافتراء على الله الكذب.

وحديث عدي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: (أما كانوا يحلون لكم الحرام فتتبعونهم، ويحرمون عليكم الحلال فتتبعونهم؟ قال: نعم، قال: تلك عبادتهم) .

القول الثاني: عدم كفرهم وإنما هم ظلمة وجهلة وليسوا بكفار، وهذا رواية عن أحمد ورواية عن الشافعي ورواية عن مالك، وأدلتهم في ذلك: أن الصحابة أجمعوا على عدم كفر الخوارج، وهم كانوا متوافرين موجودين في عصر علي بن أبي طالب، فسئل علي بن أبي طالب: (أكفار هم؟ قال: من الكفر فروا، قالوا: أمنافقون هم؟ قال: المنافق لا يذكر الله إلا قليلًا) .

يعني: هم يذكرون الله كثيرًا ليسوا منافقين.

وفي رواية عن ابن عمر أنه صلى خلف خارجي.

وأيضًا: عن علي بن أبي طالب لما قتله ابن ملجم، قال: (دعوه أو احبسوه فإن برئت فالجروح قصاص، وإن أنا مت فاقتلوه قصاصًا) .

فأمرهم أن يقتلوه قصاصًا أي: حدًا لا ردة ولا كفرًا.

فهذه دلالة أيضًا على عدم تكفيرهم.

وأيضًا قيل لـ علي بن أبي طالب:(فلم تقاتلهم؟ قال: أمرنا الرسول.

أو قال: إخواننا بغوا علينا فقاتلناهم).

فدل على أنهم من البغاة أو على الترجيح الصحيح: أنهم قوم أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتالهم، ورتب لمن قتلهم الأجر الكبير والعظيم.

وأيضًا ورد عن علي أنه قال: (أنتم إخواننا لا نمنعكم مساجدنا، ولكم ما لنا من الفيء، فإن قاتلتمونا قاتلناكم) .

أرسل إليهم بهذا، فهذه دلالة على عدم كفرهم، وهذا فيه إجماع الصحابة وإجماعهم يؤول قول النبي صلى الله عليه وسلم: (يمرقون من الدين) .

يعني: لا يمرقون كلية من الإيمان، لكن يبقى معهم أصل الإيمان وأصل الإسلام.

أما قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لأقتلنهم قتل عاد وإرم) .

فإن القتل لا يدل على الكفر، بل شرع لنا قتال المسلمين من البغاة، قال الله تعالى: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا} [الحجرات:9] .

فقال: من المؤمنين، ثم قال: {فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا} [الحجرات:9] .

فالبغاة أمرنا بقتالهم حتى يرجعوا إلى الحق.

وأيضًا الذين منعوا الزكاة قاتلهم المسلمون على أنهم منعوا الزكاة فقط، وإطلاق الردة عليهم لغة فقط، هم منعوا الزكاة فقاتلهم أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه.

فالقتل بالإطلاق لا يستلزم الكفر، والخوارج قوتلوا على استحلالهم دماء المسلمين.

نقول: القاعدة التي لا بد أن يضبطها طالب العلم هي: أن الاستحلال كفر، لكن أن تسقط عليه عينًا أنه كافر لا يجوز لك ذلك؛ إذ أنه قد تعرض له الشبه والتأويلات التي لا تجعلك تكفره.

وقبل أن أسرد الكلام على هذه القاعدة المهمة جدًا أقول: الصحابة لم يكفروا هؤلاء، واعتذروا لهم بتأويلهم استحلال الدماء بما حدث من الصحابة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم؛ فإن بعض الصحابة كفر بعضًا من أجل الإتيان بالكفر تأويلًا، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يكفر الذي كفر أحد الصحابة، يعني: الصحابي الأول كفر الصحابي الثاني، والثاني أتى بفعل كفر لكنه في هذا الفعل كفر شبهة أو تأويل، فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يكفر الصحابي الأول من أجل هذه الشبهة، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من قال لأخيه: يا كافر فقد باء بها وإلا حارت عليه) .

إلا أن يكون هناك ثمة تأويل وشبهة.

فالشبهة عند الأول: أن هذا فعل فعلًا كفريًا، والشبهة عند الثاني: أن هذا الفعل ليس بكفر.

وإليكم الأدلة على ذلك: الدليل الأول: حادثة حاطب بن أبي بلتعة لما بعث إلى قريش أن النبي صلى الله عليه وسلم يجهز الجيش ليغزوكم، قام عمر لما عرف الأمر وقال: (يا رسول الله، دعني أضرب عنق هذا المنافق) رماه بالنفاق.

وقال الله عن المنافقين: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ} [النساء:145] .

فكان عمر له هذه النظرة ألا وهي إظهار عورة المسلمين للكافرين: (فجاء حاطب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: والله ما فعلت ذلك ردة، ولكن رأيت أن لكل واحد منكم يدًا في قريش وليس لي يد، ولي أهلون هناك أخاف عليهم، ففعلت ذلك من أجلهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لـ عمر: لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: افعلوا ما شئتم قد غفرت لكم) .

يعني: ليس بكافر من أجل هذه الشبهة، أي: من أجل هذا المسوغ الذي جعله يفعل هذا الفعل الكفري، فلم يكفر عينًا به.

الدليل الثاني: حادثة الإفك، قام النبي صلى الله عليه وسلم خطيبًا: (من يعذرني في رجل أساءني في أهلي، فقام سعد بن معاذ فقال: يا رسول الله! إن كان منا فعلنا به وفعلنا، وإن كان من إخواننا الخزرج فعلنا به ما أمرتنا، فقام سعد بن عبادة حمية فقال: والله لا تفعل معه شيئًا، فقال أسيد بن حضير لـ سعد بن عبادة: والله لنقتلنه وإنك لمنافق تجادل عن المنافقين) .

فـ سعد بن عبادة سيد من سادات الأنصار، وقال له أسيد بن حضير: والله إنك لمنافق تجادل عن المنافقين، رماه بالنفاق، والنبي صلى الله عليه وسلم لم ينكر على أسيد ولم يقر هذا الحكم على سعد، بل قام يسكت الناس؛ لأنه قام الحيان ليتقاتلا، فلم ينكر على أسيد للتأويل الذي تأوله بما رآه من الظاهر، وأيضًا لم يطبق الحكم على سعد لأن سعدًا عنده تأويل أو عنده شبهة أو جاءته حمية دون أن يرتضي بهذا الفعل.

الدليل الثالث: أسامة بن زيد رضي الله عنه وأرضاه، قال: (أرسلني النبي صلى الله عليه وسلم في سرية، قال: فصبحنا القوم قال: فتعقبت رجلًا أنا وأنصاري، فقام الرجل فقال: لا إله إلا الله فكف عنه الأنصاري، فأخذته فطعنته برمحي فقتلته، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أقتلته بعدما قال: لا إله إلا الله؟ فقال أسامة: يا رسول الله، والله ما قالها إلا تعوذًا) .

فهذه الشبهة جعلت أسامة يستحل قتل المسلم الذي قال: لا إله إلا الله، وهو ظاهره الإسلام.

(قال: يا رسول الله، والله ما قالها إلا تعوذًا.

أو ما قالها إلا متعوذًا، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: يا أسامة ماذا تفعل بلا إله إلا الله يوم القيامة، فما زال يكرر: أقتلته بعدما قال: لا إله إلا الله، حتى ندم أسامة وقال: تمنيت أن لا أكون أسلمت إلا بعد هذا اليوم).

الشاهد من هنا ما استدل به شيخ الإسلام قال: فإن النبي صلى الله عليه وسلم عذر أسامة للتأويل الذي استباح به دم هذا المسلم الذي قال: لا إله إلا الله؛ لأنه لما قال: لا إله إلا الله أسلم ظاهرًا.

وهذا التأويل والشبهة التي جعلت أسامة يقتله: أنه ظن أنما قال الرجل: لا إله إلا الله متعوذًا، فعذره النبي صلى الله عليه وسلم ولم يأمره بالقصاص أو بالدية.

فهذه فيها دلالة أنه عذره بهذا التأويل، وهذه الشبهة أسقطت الحكم عنه.

فهذه دلالات كثيرة تبين أن المتأول بفعل كفري أو الذي له شبهة بالفعل الذي جاء النص بأنه كفري أنك لا تطبق عليه حكم الكفر، فهؤلاء الخوارج استحلوا دم علي واستحلوا دم معاوية واستحلوا دم الكثير من المسلمين وكفروهم ومع ذلك لم يكفرهم الصحابة؛ للتأويلات والشبه التي كانت عندهم، فهم قالوا: قال الله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة:44] .

وقال الله تعالى: {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ} [الأنعام:57] .

وعلي حكم أبا موسى ومعاوية حكم عمرو بن العاص رضي الله عنهم أجمعين، فهؤلاء حكموا الرجال والحكم لا يكون إلا لرب الرجال، فهذه دلالة على أنهم يكفرون عندهم؛ لأنهم حكموا الرجال فيما لا يكون الحكم فيه إلا لله العلي الجليل.

فتأولوا بهذه الآية وكانت شبهة لهم، فلذلك لم يحكم عليهم الصحابة بأنهم من الكافرين.

فالصحيح الراجح: أن هذه الطائفة طائفة مبتدعة ضالة وليست بكافرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت