الجن مكلفون كبني البشر، لهم الثواب إذا أحسنوا وعليهم العقاب إذا أساءوا، قال الله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات:56] .
الاستثناء هنا يمكن أن ينزع منه (ما) و (إلا) فيكون المعنى: خلقت الجن والإنس ليعبدون، ثم انزع (الإنس) وأكمل الجملة لو كانت في خارج القرآن فتقول: خلقت الجن ليعبدون.
إذًا: الحكمة من خلق الجن هي العبادة، فهذه دلالة على أنهم مكلفون ولهم الثواب وعليهم العقاب، بل هم مخاطبون بفروع الشريعة، بل حتى في النكاح، فلو قلنا بوجوب النكاح على الموسر نصحب الحكم على الجن أيضًا؛ لأنهم مكلفون ومخاطبون بفروع الشريعة.
وقد ثبت عن ابن مسعود بسند صحيح: (أن النبي صلى الله عليه وسلم ذهب إلى الجن وأمرهم ووعظهم وذكرهم) ، والقرآن أصرح من ذلك وأرقى دلالة، قال الله تعالى: {وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ} [الأحقاف: 29] ، ونحن أولى بذلك منهم، فهم عندما سمعوا وانقادوا وفهموا عن الله قول الله جل وعلا ذهبوا لينذروا قومهم: {وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ} [الأحقاف:29] .
وهذه دلالة على أنهم مكلفون.
وأيضًا هم أصناف من حيث الظلم، ومن حيث الحقد والحسد، ومن حيث الإسلام والكفر، والعتو في الكفر، فمنهم الجني ومنهم العفريت ومنهم المارد، قال الله تعالى على لسان الجن: {وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا} [الجن:11] ، وقال أيضًا: {وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ} [الجن:14] يعني: الظالمون، {فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا * وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا} [الجن:14 - 15] .
فهؤلاء أيضًا أصناف من الجن، فمنهم المسلم ومنهم الكافر؛ ولذا نقول: إن المصروع لو صرع بجني مسلم فلك أن تخاطبه وتقول له: قد ظلمت، اتق الله واخرج، وكما نعلم فإن الصرع موجود حقًا من أيام الرسول صلى الله عليه وسلم، بل النبي صلى الله عليه وسلم قد عالج من السحر، وعالج من الصرع، وأخرج الجني من الإنسان المصروع رغم أنف هؤلاء المبتدعة الذين يردون ذلك كله.
ونذكر هنا مسألة مهمة حول الجن؛ وهي أن الجن له فقه وله علم ويعلّم، وقد حصل ذلك لأروى الناس عن النبي صلى الله عليه وسلم وأعلم الناس بحديث النبي صلى الله عليه وسلم وهو أبو هريرة، فقد علمه جني، إذ فاقه فقهًا في مسألة فعلمه إياها، وهذا هو الجني الذي جاء متمثلًا في صورة الرجل، فقد جاء في الصحيحين: (أن أبا هريرة كان حارسًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم على الصدقة، فكان هذا الرجل يأتي ويأخذ من الصدقة، فيأخذه أبو هريرة ويقول: سآخذك إلى رسول الله، فيقول: دعني عندي عيال ويعده ألا يعود، ثم يأتيه في الليلة الثانية والنبي صلى الله عليه وسلم يسأله عنه ويخبره أنه سيعود، ثم بعد ذلك جاء في الليلة الثالثة فأمسكه وقال: لا بد أن آخذك إلى رسول الله، فقال: دعني وسأعلمك كلمات ينفعك الله بها، ثم علمه فقال: إذا أخذت مضجعك فاقرأ آية الكرسي) .
وفي رواية قال: (إذا قرأت آية الكرسي فلا يزال عليك من الله حافظ بهذه الآية) .
فلما ذهب أبو هريرة فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بخبره قال له: (صدقك وهو كذوب) يعني: صدق في تعليمك هذا، وهذه أصبحت سنة من هذا الجني الذي لا نعرف اسمه، وهي سنة لإقرار النبي صلى الله عليه وسلم لما قاله هذا الجني من أننا لا ننام حتى نقرأ آية الكرسي.