لقد أرسل الفقيه المالكي أبو عمران الفاسي المذكور يحيى بن إبراهيم الكدالي إلى رباط سوس بجنوب المغرب الأقصى وكان فيه تلميذ له وهو الفقيه المالكي عبد الله بن ياسين، والتقى الرجلان وصحب عبد الله بن ياسين يحيى إلى الصحراء، وأقام هناك رباطًا له كان المنطلق الفعلي لدولة المرابطين كما هو معروف ( [24] ( http://www.attarikh-alarabi.ma/Html/Adad41partie11.htm#_ftn24 ) ) .
-الغزالية: يرد لفظ الغزالية في الكتابات الصوفية المغربية ويقصد بها جماعة الصوفية التي كانت مقبلة على تآليف الغزالي الصوفية وعلى كتابه"إحياء علوم الدين"بشكل خاص، وتتعصب لأفكار الغزالي، وتدافع عنه ( [25] ( http://www.attarikh-alarabi.ma/Html/Adad41partie11.htm#_ftn25 ) ) .
والمعروف أن تآليف الغزالي وردت على المغرب وشيخ الإسلام أبو حامد ما يزال على قيد الحياة، وقد تتلمذ على يد الشيخ الغزالي غير واحد من المغاربة نذكر منهم محمدًا ابن تومرت الشهير بالمهدي بن تومرت، والشيخ أبا بكر بن العربي، وكان الرجل في رحلته بصحبة والده، وقد جرت مكاتبات بين يوسف بن تاشفين وبين أبي حامد الغزالي وكان من المفارقات الغربية أن دولة المرابطين كانت لها صلة خاصة وذكر محمود عند أبي حامد، ومع ذلك فقد انتهى بها الأمر إلى إصدار أوامر بحرق كتاب"الإحياء".
تمكن حب الإحياء والتعلق بصاحبه من قلوب عدد غير قليل من متصوفي المغرب في النصف الثاني من القرن الخامس للهجرة، والنصف الثاني من القرن السادس، وأصبحت هذه الجماعة تكون تيارًا فكريًا متميزًا، وظهر أن بعض هؤلاء المتصوفة وخاصة متصوفي شرق الأندلس ظهرت لديهم أطماع سياسية ( [26] ( http://www.attarikh-alarabi.ma/Html/Adad41partie11.htm#_ftn26 ) ) ، ومهما يكن فإن فقهاء المالكية وهم الحريصون على وحدة المغرب المذهبية رأوا في حركة الغزالية خروجًا عن الإجماع، فأفتوا بإحراق"الإحياء"وصدرت الفتوى عن فقهاء قرطبة، وقرطبة كانت معقلًا من معاقل المالكية، وقع ذلك سنة 503 ه ( [27] ( http://www.attarikh-alarabi.ma/Html/Adad41partie11.htm#_ftn27 ) ) ، وانتهى الأمر بصدور أمر أميري عن أمير المسلمين علي بن يوسف بن تاشفين إلى جميع الجهات في المغرب والأندلس بضرورة تنفيذ الفتوى، فكان الناس يحضرون نسخهم من"الإحياء"ويضعونها في الماء حتى تتلاشى حروفها، وواجه المتصوفة هذه الفتوى وتحدوا الأمر الأميري المشار إليه، وظلوا على عنايتهم بـ"الإحياء"، وقراءتهم له، والتعصب لما ورد فيه، وكان متزعمهم في ذلك أبو الفضل يوسف ابن النحوي.
كان موضوع هذه الفتوى وما تلاها من الإحراق مجالًا لأبحاث عديدة تروم تفسير أسباب إقدام المالكية على إصدار تلك الفتوى، فمن ذاهب إلى رمي الفقهاء بالجمود والتحجر، ومن قائل إن أفكار الغزالي التي ضمنها كتابه"الإحياء"لم تكن لتنسجم مع ما كان عليه المغرب والغرب الإسلامي عمومًا من مواجهة يومية للنصارى تستلزم شدة في القلوب وتحريك همم الناس إلى الجهاد، وليس الدعوة إلى الانزواء والشعور الانهزامي، ثم كان هناك من رأى أن المالكية إنما حاربوا الغزالي لما صدر عنه في حق الفقهاء في باب العلم من كتابه"الإحياء"فقد رماهم بكونهم طلاب دنيا همهم التهافت على المناصب الدنيوية.
والذي يبدو من تتبع كل الظروف التاريخية التي أحاطت بقضية الإحراق، فينتهي به الأمر ما انتهى إليه الدكتور عباس الجراري في أبحاثه القيمة في الموضوع، وخاصة في كتابه"وحدة المغرب المذهبية"وحاصل ذلك أن عقل الفقهاء لم يكن متحجرًا ولا جامدًا وإنما كان ذلك منهم حرصًا على وحدة المغرب المذهبية، وعملهم هذا يدخل في نطاق عملهم القائم على التوجيه والمراقبة، وقد كان هؤلاء الفقهاء حريصين على الدعائم التي قامت عليها دولة المرابطين وهي دولتهم أولًا وأخيرًا، فهم مؤسسوها، وهم الذين فتحوا لرجالها المغرب والأندلس قبل أن تفتحها رماح المرابطين.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)