-إما البدء بما هو الأشرف منها
-وإما باعتبار العلة والمعلول والسبب والمسبب فيكون هذا موجبا لهذا، أو هذا تقدم على هذا لكونه سببا له أو علة له هذه المقدمات من الفقه وهي سبع
المقدمة الاولى: فقه مرتبة علم الشريعة
وذالكم أن الناظر في علم الشريعة والطالب له لابد أن يكون فقيها في رتبة هذا العلم وشرفه وقدره في كتاب الله سبحانه وتعالى وفي سنة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فإذا عرف قدره ورتبته عرف ما يوجبه هذا القدر وهذه الرتبة، ومن أخص قدره وجملة قدره: أنه عبادة لله سبحانه وتعالى، فإذا عرفت أن علم الشريعة عبادة فإنك تعلم أن العبادة من أخص ما تستلزمه أن تكون خالصة لله وحده
ولهذا فإن علم الشريعة: هو أحد أصلي الايمان، وذالكم أن الايمان الذي بعث الله به الرسل جميعا، الايمان هو معرفه الله وعبادته هذا هو الايمان، وعن هذا قال العلماء رحمهم الله: الايمان قول وعمل، فإنه يتضمن هذا لكن هو من جهة تطبيقه في أحوال المكلفين هو معرفة الله وعبادته ومعرفته تكون بعلم الشريعة ولهذا فان علم الشريعة هو أحد أصلي الايمان، لأن الايمان ينبني على هذين الاصلين معرفة الله وعبادته
ولهذا الذين ضلوا وكفروا بالله سبحانه وتعالى ممن حاد الرسل وكفروا بالانبياء، هم كفار بمعرفة الله، أو كفار بعبادته أو مشركون في هذا أو هذا بل إن هذين المقامين بينهما تلازم، هذان المقامان بينهما قدر من التلازم،: فإن من عرف الله معرفة صحيحة أوجب ذالك عبادته عبادة صحيحة
ولهذا ترى أن الله لما ذكر التوبة وهي واجبة على المكلفين بين أن التوبة تكون لمن عمل السوء جاهلا قال الله تعالى {إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوَءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ} النساء17 وذالكم أن كل من عصى الله فإن موجب معصيته درجة من الجهل، إما الجهل في مقام الادراك أو الجهل في مقام الاستجابة وذالكم أن العلم الذي يذكر في القران والمعرفة التي تذكر في القران تقع على وجهين إما معرفة الادراك وإما معرفة القبول
ولهذا تجد أن الله إذا ذكر بعض الأمم الكتابية ذكرهم في مقام على درجة من الجهل وعدم الفقه، ويذكرون في سياق آخر من القران ويضاف إليهم مقام من المعرفة فلا يكون المنفي هو المثبت وإنما الذي ثبت لهم في مثل قول الله تعالى {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمُ} الأنعام20 هذه: معرفة الادراك وليست معرفة القبول
وعلى هذا كان الصحابة رضي الله عنهم يفسرون مثل هذا السياق في قوله {إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوَءَ بِجَهَالَةٍ ً} النساء17 أن كل من عصى الله فهو جاهل ولهذا: تجد أن الله يذكر في كتابه أن خشيته هي فرع عن العلم {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء} فاطر28 فإن الخشية لله سبحانه وتعالى تكون عن مقام من معرفة حقه وقدره وأحكامه وشرعه، فإذن الفقه الاول في هذه المقدمات، وهو أشرف مقامات هذه الانواع من الفقه وهو فقه مرتبة علم الشريعة
فعلم الشريعة شرفه أنه العلم الالهي وهو العلم الذي بعث الله به المرسلين الى ان جاء خاتمهم صلى الله عليه وعلى آله وسلم بهذا الكتاب المبين، والنور الذي أنزله الله وجعله محكما لا ياتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وجاءت السنة النبوية الهادية مبينة لما أجمل من القران مفصلة لأحكامه وقواعده وكلياته إلى غير ذالك ...
فهذا التوقير لابد أن يكون حاضرا في قلوب المسلمين جميعا لعلم الشريعة وبخاصة من يحمل هذا العلم من طلبة العلم يجب أن يدرك أنه يحمل هذا الشرف الذي سماه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم (ميراث الانبياء) (وأن الانبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما) فإذا كان ينظر في ميراث الانبياء أو يحمل ميراث الانبياء أوجب ذالك له أن يوقر هذا الذي يحمله في ابتداء طلبه للعلم بالاخلاص لله سبحانه وتعالى ولهذا نقول: إن العلم هو أحد أصلي الايمان وإن كان وقع في كلام بعض العلماء رحمهم الله أنهم ذموا العلم الذي لا يكون معه عمل وهذا مذموم في الشريعة نفسها وفي القران نفسه لكن حصل في بعض كلام العلماء -رحمهم الله - شيء من المجاز في اللغة أو شيء من التجوز الذي قد لا يكون مقبولا
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)