الصفحة 48 من 377

ونلاحظ فيما يأتي أن المؤلف رحمه الله بدأ بالفِرق حسب شدتها في الباطل فبدأ (بغلاتهم) وبعد ذلك بقوله (وقاربهم طائفة .. ) وهكذا.

فغلاتهم يسلبون عنه النقيضين، فيقولون لا موجود، ولا معدوم، ولا حي ولا ميت، ولا عالم ولا جاهل، لأنهم يزعمون أنهم إذا وصفوه بالإثبات شبهوه بالموجودات، وإذا وصفوه بالنفي شبهوه بالمعدومات، فسلبوا النقيضين، وهذا ممتنع في بداهة العقول، وحرفوا ما أنزل الله من الكتاب، وما جاء به الرسول، فوقعوا في شر مما فروا منه، فإنهم شبهوه بالممتنعات، إذ سلب النقيضين كجمع النقيضين كلاهما من الممتنعات

قولة (فغلاتهم) المقصود بغلاتهم أي غلاة الطوائف التي ذكرها المؤلف وهي المتفلسفة والصائبة والجهمية والقرامطة الباطنية، (يسلبون عنه) يسلبون بمعنى ينفون (عنه) أي عن الله (النقيض) يجب أن نتحدث عن النسبة بين الأشياء، فالنسبة بين الأشياء تنقسم إلى أقسام:

أولًا: نسبة التناقص بمعنى أن يكون الشيئان نقيضين ومعنى النقيضين هما اللذان لا يجتمعان ولا يرتفعان بمعنى محال اجتماعهما ومحال ارتفاعهما مثال ذلك الحركة والسكون هذان نقيضان لا يجتمعان أي لا يمكن أن يكون الشيء متحركًا ساكنًا لأنه إذا كان متحرك فليس بساكن وإذا كان ساكنًا فليس بمتحرك.

فلا يمكن أن يجتمعان ولا يمكن أن يرتفعان، وأيضًا لا يمكن أن يرتفعان لأن الشيء إما ساكن أو متحرك فليس هناك أحتمال ثالث إذا لا يرتفعان فلا بد أن يوجد واحد منهما.

كذلك أيضًا الوجود والعدم نقيضان لأنهما لا يجتمعان فلا يمكن أن يكون الشيء موجودًا معدومًا، ولا يرتفعان حيث أن الشيء لا يمكن أن يكون غير موجود وغير معدوم، فلا بد أن يكون إما موجود أو معدومًا، كذلك الحياة والموت، بالنسبة للإنسان نقيضان حيث لا يمكن أن يجتمعا فلا يمكن أن يصير الإنسان حيًا ميتًا في آن واحد، ولا يمكن أن يرتفعان لأن الإنسان إما حي وإما ميت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت