ولهذا نقول أن هاتين الكلمتين لو تركهما المؤلف لكان أحسن لكن عذر المؤلف أنه يتكلم بلسان قوم ألفواهتين الكلمتين ولا بأس أن يخاطب الناس باختلافهم إذا تبين الحق وأزيل الوهم، وهنا المؤلف أزال الوهم بقولة (أزلي لا يجوز عليه الحدوث) وكلمة لا يجوز عليه الحد وتأكيد بقولة (واجب بذاته) (ولا يجوز عليه العدم) لأنه الواجب ما لا يمكن فصله، فلو كان يجوز عليه العدم لكان ممكنًا وبهذه المناسبة أود أن أبين أن الذين يتكلمون في هذا الباب يتكلمون بلسان المناطقة أحيانًا، فيفسرون الواجب بأنه ما لا يمكن عدمه، والمستحيل ما لا يمكن حدوثه.
والجائز ما يكون جائز الوجود والعدم.
(فوصوفه بما يمتنع وجوده) أي وصفوه بسلب النقيضين حيث قالوا لا موجود ولا معدوم، فنفوا عنه أنه واجب الوجود، بل زعموا أنه متصف بما يمتنع ببداهة العقول.
(فضلًا عن الوجوب أو الوجود (لأنهم لا يصفون الله بأنه موجود(أو القدم) لأنهم لا يصفون الله تعالى بأنه أول أو قديم فسلبوا عنه النقيضين.
خلاصة ما سبق: الذين حادوا وزاغوا عن سبيل الرسل وأتباعهم ينقسمون إلى ثلاثة فرق وهم:
الغلاة وهم الذي يسلبون (ينفون) عنه النقيضين الوجود والعدم والحياة والموت والعلم والجهل والسمع والصمم وهكذا ..
وحجتهم يقولون أن أثبتنا له الصفة شبهناه بالموجدات وأن نفينا عنه الصفة شبهناه بالمعدومات فإذًا لا نثبت ولا ننفي حيث يقولون لا موجود ولا معدوم ولا سميع ولا غير سميع ولا حي ولا ميت ولا متكلم ولا غير متكلم ... ألخ.
وللرد عليهم نقول: أنكم لما فررتم من تشبيهه بالموجودات والمعدومات وقعتم في تشبيهه بالممتنعات الذي ببداهة العقول يعلم أنه غير ممكن وقد علم كما قال المؤلف بالاضطرار أن الموجود أو الوجود لابد له من موجد.
فنقول لهؤلاء الفلاسفة هل أنتم موجودون أم معدومون؟؟؟