فليس هناك أحد عاقل يقول العرش موجود جائز الوجود والبعوض جائز الوجود وكل منها شيء موجود، فإذا كانا هاذان الموجدان متفقان في الوجود وأن وجودهما من باب الجائز وليس من باب الواجب الوجود ومع ذلك لا يلزم من اتفاقهما في الوجود أن يكونا متفقين في الحقيقة والذات ولا يمكن لأي عاقل أن يقول أن البعوض مثل العرش وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ) (البقرة: من الآية 255)
والعرش أكبر بكثير من الكرسي لأن فضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على الحلقة، يعني لا يمكن أن يقول قائل أن هذه البعوض التي هي من أحقر المخلوقات تكون مثل العرش الذي هو أعظم الموجدات، فإذا كانت المخلوقات وهي ممكنة وليست واجبة الوجود.
تتفق في أسم الوجود الممكن ولا يلزم من اتفاقهما في هذا أن يتفقان في غير دل هذا على أنه لا يمكن أن يكون أتفاق الوجود في الله سبحانه وتعالى وفي غيره لا يلزم أن يكون الموجودان شيئًا واحدًا.
(إن هذا مثل هذا، لاتفاقهما في مسمى الشيء والوجود) يعني لا يمكن أن يكون مثله من أجل أنها تتفقان في مسمى الشيء والوجود، (لأنه ليس في الخارج شيء موجود غيرهما يشتركان فيه) غيرهما الضمير يعود على الشيء والموجدات يعني أن العرش والبعوض ليس في الخارج شيء يشتركان فيه سوى كلمة شيء موجود، فالبعوضة شيء والعرش شيء، والبعوضة موجودة والعرش موجود، هما اتفقا في هذان الشيئين لكن في الخارج لا يتفقان فيما عدى ذلك.
فيما عدى كلمة شيء وموجود، ليس بين العرش والبعوض اشتراك بل بينهما من الفرق ما لا يمكن إدراكه لأن العرش لا يمكن إدراكه، وكلمة في الخارج تعني الوجود العياني الذي يشاهد ويسمع، لأن هناك شيء ذهني وشيء خارجي، فالشيء الذهني هو ما يفرضه الذهن.