ولقد وقفت بعض الأيام في بعض كتب العربية على تمثيل أسماء مثّل بها مصنّفة، وفي جملتها «أم رباح» ولم يقيّد لها لفظا ولا بناء، ولا ذكر لها مسمى،
فاشتبه أمرها، فتطلّبتها في ما حضرني من كتب العربية لغة فلم أجدها، وسألت عنها فلم أجد فيها شافيا. فمن قائل: إنها براء مكسورة وتاء من فوقها نقطتان وجيم، ومن قائل إنها براء مكسورة وياء تحتها نقطتان وحاء، جمع ريح. ومن قائل: إنها براء مفتوحة وباء تحتها نقطة وحاء وهو الصحيح. ثم جهل مسمّاها فمن قائل: إنها الشمس وعزاه إلى بعض علماء الزمان. ومن قائل: إنها الريح.
ومن قائل: إنها اللعبة التي يلعب بها الصبيان ويقال لها: أبو رياح، فلم تقع الثقة بشيء من هذه الأقوال لاختلافها. ولم أزل أتتبع مواقعها، وأتطلبها من مظانّها إلى أن وجدتها في «كتاب الطير» لأبي حاتم السجستاني [1] ، رحمه الله، وقد ضبطها بالراء المفتوحة وبالباء الموحدة والحاء المهملة، وقال: هي طائر محمرّ الجناحين والظهر، يأكل العنب.
فحيث حصل اليقين وثلج الصدر وسكون النفس / إلى معرفة هذه الكلمة التي خلا أكثر كتب العربية منها، وناهيك أن «تهذيب» الأزهري [2] و «صحاح» الجوهري [3] ، رحمهما الله، على عظمهما في كتب اللغة لم ترد فيهما.
وانصرفت الهمة حينئذ إلى تتبع أمثال هذه اللفظة وما يجري مجراها من الكنى والأبناء، فتطلّبت ما جمع في ذلك من الكتب، فوقفت على تصانيف قديمة وحديثة
(1) هو سهل بن محمد بن عثمان الجشمي السجستاني (248هـ / 862م) : كان عالما، لغويا، شاعرا كثير الكتب، منها كتاب «المعمّرين» و «الشجر والنبات» و «الأضداد» و «المختصر» وغيرها.
(2) هو محمد بن أحمد بن الأزهر الهروي، أبو منصور (370282هـ / 981895م) كان إماما في اللغة والأدب والفقه، متبحرا في العربية. ولد وتوفي في هراة بخراسان. من كتبه «غريب الألفاظ» و «تفسير القرآن» و «فوائد منقولة من تفسير المزني» .
(3) هو إسماعيل بن حماد الجوهري، أبو نصر (393هـ / 1003م) : لغوي، إمام، خطاط. أول من حاول الطيران حيث صنع جناحين من خشب وربطهما بحبل وصعد سطح داره، ونادى في الناس بأنه سيطير، فازدحم الناس ينظرون إليه، لكن اختراعه خانه، فسقط إلى الأرض ومات في سبيله. أصله من فاراب، طاف في العراق والحجاز، وتوفي في نيسابور.
أشهر كتبه: «العروض» و «مقدمة في النحو» . ومعجمه «الصحاح» .