أكنّيه حين أناديه لأكرمه ... ولا ألقّبه والسّوءة اللّقبا
/ وهذا مختص بالإنسان دون غيره وهو الأصل.
ولقد بلغني أن أصل سبب الكنى في العرب كان: أن ملكا من ملوكهم الأول ولد له ولد توسّم فيه أمارات النجابة فشغف به، فلما نشأ وترعرع وصلح لأن يؤدّب أدب الملوك، أحبّ أن يفرد له موضعا بعيدا من العمارة يكون فيه مقيما يتخلق أخلاق مؤدبيه، ولا يعاشر من يضيع عليه بعض زمانه، فبنى له في البرية منزلا ونقله إليه، ورتّب له من يؤدبه بأنواع الآداب العملية الملكية، وأقام له ما يحتاج من أمر دنياه، ثم أضاف إليه من هو من أقرانه وأضرابه من أولاد بني عمّه وأمرائه، ليؤنسوه ويتأدبوا بآدابه، ويحببوا إليه الأدب بموافقتهم له عليه.
وكان الملك على رأس كل سنة يمضي إلى ولده ويستصحب معه من أصحابه من له عند ولده ولد ليبصروا أولادهم، فكانوا إذا وصلوا إليهم سأل ابن الملك عن أولئك الذين جاؤوا مع أبيه ليعرفهم بأعيانهم، فيقال له: هذا أبو فلان، وهذا أبو فلان يعنون آباء الصبيان الذين هم عندهم، فكان يعرفهم بإضافتهم إلى أبنائهم، فمن هنالك ظهرت الكنى في العرب، ثم انتشرت واتسعت، حتى صاروا يكنون كل إنسان باسم ابنه.
فصل
أصل الكنية أن تكون بالأولاد الذين ولدوهم
لما كان أصل الكنية أن تكون بالأولاد، تعين أن يكون بالذين ولدوهم كأبي الحسن في كنية علي بن أبي طالب، كرّم الله وجهه. فمن لم يكن له ابن وكان له بنت كنوه بها كما قيل لمسروق بن الأجدع [2] : أبو عائشة. ومن لم يكن له
(2) هو مسروق بن الأجدع بن مالك الهمداني الوادعي، أبو عائشة (توفي 63هـ / 683م) من أهل اليمن، تابعي. قدم المدينة في أيام الخليفة أبي بكر الصديق. وسكن الكوفة. وشهد حروب عليّ بن أبي طالب (أخباره في تهذيب التهذيب 10: 108والإكليل للهمداني 10: 70والإصابة ت 8406) .