ومن علاقات المجاورة والمنافسة ينشأ التمييز بين «نحن» و «هم» ، فكل ما هو خارج القبيلة يمكن اعتباره غريبا. وفي مرحلة لاحقة، ربما في القرن السادس، تكونت بضعة معارف عن الفرس والروم وحمير والحبشة، ولذا فقد أوجدوا علامات فارقة ومصطلحات للدلالة على هؤلاء الغرباء ويذكر منهم: بنو سام، وبنو حام، وبنو يافث، وبنو الأحرار، وبنو الحمراء. وكان لون البشرة دليلهم في تلك المسميات، وقد أدى التفريق بين ألوان البشرة وألوان الشعر إلى نشوء وظيفة تتعدى ألوان البشرة إلى قيام خصائص، زعموا أنها ترتبط بوظائف ومراتب اجتماعية [1] . ولعل هذا الميل إلى التمييز بلون البشرة يعود إلى ما ذكره ابن إسحاق من أن قوما أشد سمرة من سكان شمال شبه الجزيرة كانوا قد أقاموا فيها في السابق ومن إنشاء عمر بن الخطاب ديوان الحبشة، ومن شكوى سيف بن ذي يزن الغربان في الحبشة [2] .
لكن معرفة العرب لمحيطهم البشري لم تقتصر على تمييزهم بألوانهم، بل هنالك إشارات إلى أن بعض الشعراء الجاهليين كانوا على معرفة بالخطوط الساسانية أو السورية أو اليمانية، أو العبرية القديمة. قال الأخنس بن شهاب [3] :
لابنة حطّان بن عوف منازل ... كما رقّش العنوان في الرق كاتب
وكان الحارث بن حلزّة طبيب العرب وحكيمهم على دراية بالكتابة الفارسية فيقول:
لمن الديار عفون بالحبس ... آياتها كمهارق الفرس
(1) انظر: الجاحظ، رسالة في فخر السودان على البيضان (هارون) .
(2) سيرة ابن هشام 1/ 63، 507.
(3) المفضليات، رقم 41، البيت: 1.