فهرس الكتاب

الصفحة 352 من 423

ويرتبط بهذا شواهد من المأثور العربي حول لفظ «عبر» و «غبر» .

وهما يدخلان في التعابير المجازية والكنى: «بنو غبراء» و «أبو تراب» ولربما كان في ذلك آثار اتصال بآداب الجيران من النصارى واليهود الذين قالوا بأن الإنسان خلق من تراب، وهو ما قال به الإسلام لاحقا، فيما لم يكن لدى عرب الجاهلية من الوثنيين مثل هذا المفهوم، قال طرفة: [1]

رأيت بني غبراء لا ينكرونني ... ولا أهل هذاك الطراف المدد

وقد فسر الزوزني «بني الغبراء» بأنهم الفقراء، وكذلك الجوهري في «الصحاح» وفسّرها ابن الأثير في «المرصع» بأنهم المحاويج. وفي تفسير جديد أنها تعني اليهود [2] . ولا بد أن طرفة شاهد على أن مثل هذا المعنى ربما قد استعير من كتابيي العرب. ولذا فإنا نرى الأرض تكنى بأم آدم، وأم صبّار (الحرّات والحصى) ، وأم عبيد، وأم خلاوة. أما «أم كفات» فهو تعبير إسلامي مأخوذ من الآية القرآنية: {أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفََاتًا} [المرسلات: 25] وفي هذا ميل إلى توحيد الثقافة العربية السابقة على الإسلام واللاحقة له.

ومن نتائج تقديس علاقة الأرض (الأم) بالسماء التي تدرّ الماء فتكتسب الأرض خصوبتها، كان تقديس الأشجار، ومنها: ذو النخيل، وذات نوط (أنواط) ، والعزّى التي يقال إنها كانت شجرة تعلق عليها الهدايا [3] ، كما كان أهل نجران قبل اعتناقهم المسيحية يعبدون نخلة طويلة، يعلقون عليها الأثواب الحسنة وحلى النساء في عيدهم [4] . ويلاحظ أن الشجرات المقدسة كانت عبادتها في الأماكن المنعزلة إما في الحرم أو في الأرض الخصبة، فقد منع قطع شجرها، ولم يرو أنها

(1) معلقة طرفة بشرح الزوزني ص 63.

(2) كمال الصليبي، التوراة جاءت من جزيرة العرب: 239238.

(3) ابن الكلبي، الأصنام: 24.

(4) ابن هشام، السيرة 1: 33.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت