أرسل رسله، وأنزل كتبه، ليقوم الناس بالقسط، وهو العدل الذي قامت به الأرض والسماوات، فإذا ظهرت أمارات العدل، وأسفرت بأيّ طريق كان فثمّ شرع الله ودينه، والله سبحانه أعلم وأحكم» [1] .
فالعدل مرتبط ارتباطا وثيقا بالتصور الإسلامي العام، وبقضية الوحدانية التي عرضنا لها في فصل سابق، فالإسلام هو العدل بعينه، وهو دين الحق الذي أنزله خالق الكون وربّه لهداية الإنسان، فإقامة العدل بين الناس، وتحديد ما هو العدل، وما هو الظلم والجور إنّما هو من شأن خالق الإنسان وربّه، ولا حق لمن سواه في أن يضع للناس مقياسا للعدل والظلم، إذ الإنسان ليس مالكا لنفسه ولا حاكمها حتى يحقّ له اختيار معيار للعدل من تلقاء نفسه، لأن مكانته في العالم ليست إلا أنّه عبد مملوك لله تعالى، والإنسان مهما كانت له شخصية بارزة، ومهما بذل الكثير من الجهود في اختيار طريق للعدل لا يستطيع الوصول إليه أبدا، وذلك لأن محدودية علم الإنسان، وقصور فكره، واستيلاء أهوائه وعصبياته على عقليته لا مناص منها في حال من الأحوال، فليس من الممكن أن يضع الإنسان لنفسه نظاما يتجرد من نقائصه البشرية ويحقق العدل الحقيقي بمعنى الكلمة، وربّما شوهدت في بداية الأمر مظاهر العدالة في هذا النظام ليس من العدل في شيء، فكل نظام وضعه الإنسان ثبت نقصه وقصوره في آخر الأمر» [2] .
فالعدل الاجتماعي الذي يدعو إليه القرآن الكريم هو حق من حقوق الوحدانية، قال سيد قطب: «الإسلام دين الوحدة بين العبادة والمعاملة، والعقيدة والشريعة، والروحيات والماديات، والقيم الاقتصادية والقيم المعنوية،
(1) الطرق الحكمية في السياسة الشرعية ص 112.
(2) المودودي أبو الأعلى العدالة الاجتماعية حقيقتها وسبيل تحقيقها ط مكتبة دار البيان:
الكويت ص 10، 11.