والدنيا والآخرة، والأرض والسماء، وعن تلك الوحدة الكبرى تصدر تشريعاته وفرائضه، وتوجيهاته وحدوده، وقواعده في سياسة الحكم وسياسة المال، في توزيع المغانم والمغارم، وفي الحقوق والواجبات، وفي ذلك الأصل الكبير تنطوي سائر الأجزاء والتفصيلات، وحين ندرك هذا الشمول في طبيعة النظرة الإسلامية للألوهية والكون والحياة والإنسان، ندرك معها الخطوط الأساسية للعدالة الاجتماعية في الإسلام، فهي قبل كلّ شيء عدالة إنسانية شاملة لكل جوانب الحياة الإنسانية ومقوماتها، وليست مجرد عدالة اقتصادية محدودة، وهي إذن تتناول جميع مظاهر الحياة وجوانب النشاط فيها، كما تتناول الشعور والسلوك، والضمائر والوجدانات، والقيم التي تتناولها هذه العدالة ليست القيم الاقتصادية وحدها، وليست القيم المادية على وجه العموم، إنما هي هذه ممتزجة بها القيم المعنوية والروحية جميعا» [1] .
إن العدل الاجتماعي الذي يسعى إليه القرآن الكريم من خلال ربطه بالعقيدة هو أن يكون كل فرد من الأفراد، وكل أسرة من الأسر، وكل قبيلة من القبائل، وكل أمة من الأمم على حظ مناسب من الحرية، وكون كل مجتمع من المجتمعات العديدة على حظ من سيادة بعضها على بعض سدا لباب الظلم والعدوان، واستخداما لمختلف الأفراد والمجتمعات فيما تقتضيه المصالح الاجتماعية [2] .
إنّ من خصائص العدل الذي يدعو إليه القرآن الوسطية والاعتدال، فهو لا يهتم بالقيم الروحية على حساب القيم المادية، ولا يطغي القيم المادية على حاجات الروح، ونحن إذا نظرنا إلى المسيحية مثلا نجد أنّها صبّت جلّ اهتمامها على الروح، ولم تقم للمادة وزنا، أما الفكر الشيوعي فكان على النقيض من ذلك حين نظر إلى الإنسان من خلال حاجاته المادية وحدها، وألغى
(1) العدالة الاجتماعية في الإسلام ط 6مطبعة عيسى البابي الحلبي: القاهرة 1964م ص 28.
(2) المودودي العدالة الاجتماعية حقيقتها وسبيل تحقيقها ص 1615.