فهرس الكتاب

الصفحة 177 من 238

فالفرقة التي حصلت للناس جاءت بعد بيان الحق، وإقامة الدين، وبعد الاجتماع على سنن الهدى والفطرة، وهذه الفرقة التي كثيرا ما يحذر منها القرآن هي سبب الفساد في الأرض، والهلاك بين الشعوب.

وقال تعالى: {يََا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبََاتِ وَاعْمَلُوا صََالِحًا إِنِّي بِمََا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (51) وَإِنَّ هََذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وََاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (52) فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمََا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} [المؤمنون: 5351] .

فقد جاء التوكيد في هذه الآيات على أنّ ملة الإسلام هي ملّة واحدة، وأنّ المستحق للعبادة والخضوع هو الله وحده، وعلى أساس هذه القاعدة يجب الاجتماع والوحدة، ولكن الذي أحدثه البشر هو تمزيق هذه الوحدة حين جعلوا دينهم قطعا وفرقا منوعة {كُلُّ حِزْبٍ بِمََا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} «أي كل فرقة من فرق هؤلاء المختلفين المتقطعين دينهم، فرح بباطله، مطمئن النفس، معتقد أنه على الحق» [1] .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله (728هـ) : «فظهر أن سبب الاجتماع والألفة جمع الدين، والعمل به كله، وهو عبادة الله وحده لا شريك له، كما أمرنا به باطنا وظاهرا، وسبب الفرقة ترك حظ ما أمر العبد به، والبغي بينهم، ونتيجة الجماعة رحمة الله ورضوانه وصلواته، وسعادة الدنيا والآخرة، وبياض الوجوه، ونتيجة الفرقة عذاب الله ولعنته وسواد الوجوه، وبراءة الرسول منهم، وهذا أحد الأدلة على أن الإجماع حجّة قاطعة، فإنهم إذا اجتمعوا كانوا مطيعين لله بذلك مرحومين، فلا يكون طاعة لله ورحمته بفعل لم يأمر الله به، من اعتقاد أو قول أو عمل، فلو كان القول أو العمل الذي اجتمعوا عليه لم يأمر الله به لم يكن ذلك طاعة لله، ولا سببا لرحمته» [2] .

(1) محمد جمال الدين القاسمي تفسير القاسمي المسمّى محاسن التأويل ج 12ص 4403.

(2) الفتاوى ج 1ص 1716.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت