وطرق العرض كثيرة ومتنوعة في القرآن الكريم، ولها علاقة بجميع عناصر البلاغة العربية، لكن المتأمل في القرآن يجد أن هناك طرقا بارزة يعتمد عليها القرآن كثيرا لما لها من قدرة على مخاطبة جوانب النفس البشرية وتحريك قواها، ومن هذه الطرق نجد أسلوب التصوير وأسلوب التمثيل وأسلوب الجدل وأسلوب الاستفهام وأسلوب التكرار وأسلوب القصص، وغير ذلك من الأساليب البارزة فيه، ومن جملة هذه الطرق نجد أن أسلوب المقابلة الذي لم يعط حقّه من الدراسة على الرغم من أنّه أسلوب بارز في القرآن بل إنه يشكل ظاهرة أسلوبية متميزة، فكثيرا ما يعتمد عليه القرآن في عرض قضاياه كما رأينا ذلك في الفصول السابقة.
فالمقابلة إذن هي إحدى طرق العرض القوية في القرآن، وليست جزءا ضئيلا من المحسنات المعنوية التي تدرس في نطاق ضيق جدا هو علم البديع، بل الواجب بعد الآن عدّها من أساليب القرآن البليغة، وطرق عرضه الرائعة، والواجب أيضا تصنيفها تصنيفا آخر وإعطاؤها موقعا جديدا ضمن علم المعاني، وضمن طرق العرض التي يختارها القرآن لعرض قضاياه المختلفة.
وهناك حقيقة لا يمكن أن نغفلها وهي أن المقابلة هي من جملة طرق العرض التي يلجأ إليها القرآن، وهي متكاملة متجانسة مع بقية الأساليب، لأداء الأغراض والقيم التي يريدها المنهج القرآني، لكنّها تعد من أبرز الطرق الواضحة في العرض، وفي الأداء البياني الذي يسعى إليه القرآن.
لقد تبين لنا في فصول سابقة أن القرآن الكريم يلجأ إلى طريقة المقابلة تحقيقا لقيم فكرية ومعنوية كثيرة، فهو يعرض جميع القضايا الكبرى في هذا الوجود بأسلوب التقابل حين يجمع في الطريقة بين الشيء وضده، والمعنى ونقيضه، وحين تعرض الصورة الفنية وما يقابلها من صورة أخرى تخالفها في الشكل والمضمون، ولا بأس الآن أن نقف عند آية قرآنية ليتبين لنا صدق الدعوى التي نقول.