قد يعرض عليك بعض العامة أحاديث معينة ، سجلها ولكن هيأ لها نفسك ، واخرج بها عن التناول المكرر ، والطرق المألوف .
كتب الثقافة العامة والتاريخ والأشعار والآداب وذات التلون المعرفي ، من أخصب ما يجدِّد الفكر ، ويذهب هدأته وجموده ، حيث ينتقل إلى معان حسنة ، وأفكار حية ، يصلح بعضها لأن يكون خطبة .
مجالسة العلماء ومناقشتهم ، تورث زخمًا من الأفكار والتعليقات ، جديرة بالطرق والتناول .
اللقاءات اليومية ، وسير الناس إلى وظائفهم ومعاشاتهم لا تخلو من وقائع وأحداث ، تولد للمتأمل ، الرغبة الحثيثة في البدار والمعالجة ، وقد قيل عن بعض عمالقة القصص أنه يسجل قصته ، من خلال معاينة سير الناس وتنقلاتهم اليومية .
النماء الثقافي والحواري من خلال الندوات والمحاضرات والمناظرات، حيث يثري أفكار المشاركين والمستمعين ، ويضاعف من حجم المخزون الدعوي والفكري لدى المتحدث والملقي .
التجول الإلكتروني عبر منتديات الإنترنت ومواقع الخطباء والأخبار والمنتديات والمنابر ، غالبًا ما يُسعف الخطيب ، ويحرك نهمته ، ويبعث نشاطه .
مشاورة بعض الشيوخ ، وتلقي مقترحاتهم وإرشادتهم .
مئنة من فقهه
كلما قصرت الخطبة ، وطالت الصلاة ، زادك قناعةً برجاحة عقل الخطيب ، ونباهته الفقهية ، وأنه استطاع إيصال رسالته في وقت وجيز، وبدون إيغال ولا ثرثرة .
قد يكون الموضوع جميلًا ، والخطيب محكم الأداء ، ولكن الطول الباهض ، قاتل للموضوع ، وأثره ، وحلاوته ويورث السآمة، وينفر الجماهير ، ويجعلهم يقررون الانتقال إلى مسجد آخر ، وأنت أحوج ما تكون إلى دعم الناس ، ومحبتهم ، وتضامنهم .
واشتهر قولهم: (خير الكلام ما قلَّ ودلَّ) فهو القليل الدليل ، الحامل في طياته منابع الخير ، ومنافع الرشاد ، وقد قلت في نظم الهدي النبوي في الخطبة:
يقصّر الخطبة والبيانا ... ويطنب الصلاة والقرآنا
ويكثر الذكر مع الجوامعِ ... لأنها مظنة المنافعِ
ومن مقولات الأمين العباسي (عليكم بالإيجاز ، فإن له إفهامًا ، وللإطالة استبهامًا) ، ومما يساعد على تقصير الخطبة ، والانعتاق من الطول الذي يبتلى به بعض الخطباء ، ويصبح ديدنًا لهم ، لا يكاد ينفك عنهم:
الاهتمام الشديد بالوقت ، دخولًا وخروجًا ، وسؤال بعض الخواص ، هل حصلت إطالة أم لا ؟!
ضبط الموضوع ، وتحديده في عناصر معينة ، لا تطيش ولا تتكاثر ومن جيد ذلك الانطلاق في الخطبة عبر آية قرآنية ، أو نص نبوي أو مقولة مأثورة ، يدار في فلكها بلا تشعبات وخروقات .
ترك الارتجال المشوش ، الذي لا يحده ورقة ولا فكر ، فهو من وسائل التطويل .
كتابة الخطبة في ورقات محدودة ، وتربية النفس على الإيجاز حال الارتجال لما يحاكي وضع الخطبة المكتوبة .
الخطبة الاستعلائية
حينما تباشر الخطابة بنظرة استعلائية ، وفوقية متفاخرة بالعلم والصلاح والزكاة ، وممتلئة بازدراء الآخرين واستنقاصهم وإلقاء التهم بهم ولو على وجه ساذج بسيط ، تنقلب عكسًا على صاحبها وتبوء بالفشل، وتفصل الخطيب عن جمهوره وشعبيته ، وتعرضه للذعات النقد، وسهام التصحيح والتعقيب .
والمسلك المحمود: ترك رتبة الفوقية ، وشحن الروح بالإشفاق والتواضع ، ومحبة الآخرين ، ودرج النفس في قافلة المقصرين ، وغبراء المساكين ، قال صلى الله عليه وسلم: (اللهم أحيني مسكينا ، وأمتني مسكينا ، واحشرني في زمرة المساكين) .
ومن صور تلك الاستعلائية الرديئة:
الظهور دائمًا في مظهر الناقد اللاذع ، المقبح لكثير من المخالفات بلا روية وحكمة.
استعمال ضمائر التكلم بكثرة ، قلت ، رأيت، أنشأنا ، وقررنا.
عزل النفس عن مواضع النقد والتقصير والتكاسل ، في علاج الأخطاء ، وتسوية المشكلات .
استعمال لغة التهديد والمعاتبة والملامة المطلقة ، التي توحي بتزكية النفس وتنزه المتحدث ، وأنه القاضي الصارم ، لا الداعية الراحم ، حيث يتحول الداعية إلى الله تعالى إلى مفتش مجتث ، ومنقب متتبع ، يمارس دور الوصاية على الناس ، وأنه المسئول عن تحركاتهم وتجاوزاتهم .
وهذا ينافي رحمانية الدعاة ، وشفقتهم ، وما ينبغي أن يكونوا عليه من حسن التزكية والأدب والتواضع والاندماج والانسيابية .
مصادر الخطبة
(1) القرآن الكريم حفظًا وتلاوة ، وتفهمًا وتدبرًا ، واسترشادًا ، فإذا تم لك أكثر ذلك، فبثه في الناس ، وأحسن عرضه للجمهور ، وانقلهم من مجرد حبه وتلاوته إلى العمل به وتدبره ، واستنهاجه في الحياة .
(كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ) [ص: 29] .
قال الحسن البصري رحمه الله ونِعم ما قال: (نزل القرآن ليعمل به ويتدبر ، فاتخذوا تلاوته عملًا) .