جعل الخطبة جامدةً صماء ، ذات سياج معقد ، لا يرى منه أي لمسة أدبية بيانية ، وهي ما تسمى (بخطب الفقهاء) الذين عباراتهم عبارة علماء ، نائية عن اللطف والرونق والانسيابية ومثل تلك محدودة التأثير ، شحيحة الجدوى ، ويتحول كثير منها إلى دروس علمية ، وليس خطبًا منبرية .
ومن الأوابد هنا استنكار بعضهم إنشاد الشعر على المنبر ، وكأنه ليس كلامًا كسائر الكلام ، حسنه حسن ، وقبيحه قبيح ، ولم يثبت شرعًا، ولا عقلًا ولا ذوقًا كراهة الشعر والتمثل به في خطبة إذا كان بقدر واعتدال ، فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول (إن من البيان لسحرًا) (وإن من الشعر حكمة) والشعر أروع درجات البيان ، ومن أطايب الحكم والتنبيهات ، يختصر مسافات في التوجيه ، ويوقظ الأسماع ، ويذكي الهمم ، ويجدد الخطاب ، ويضفي الجمال والمهابة على الحديث والمتحدث لمن أحسن إنشاده والاستشهاد به في مواضعه اللائقة .
قال الأصمعي: قيل لسعيد بن المسيب: ههنا قوم نُساك يعيبون إنشاد الشعر ! قال: نسَكوا نُسكًا أعجميًا !
الصنعة اللفظية القائمة على المحسنات المرصوفة ، المجردة من كلمات التأثير ، ومن حلاوة إشراقات الآيات ، وطلاوة الآثار النبوية حتى صار كثير منها مقامات أدبية ، ورسائل بيانية ، وليست خطبًا للوعظ والتأثير والإقناع .
من مفاتيح التأثير
أن تشرك الجماهير في تطوير الخطبة وتصحيحها ، وإبداء الموضوعات المناسبة لها، حتى يشعروا بنوع من الاحترام ، وبنباهة الخطيب الباعثة على تواصله ، وحيويته في أعين مستمعيه ومشاهديه ، وذلك من خلال استعلام رأي الصحبة والبطانة ، ومقترحات (صندوق التواصل) في الجامع ، وتوزيع الاستبانات أحيانًا ، وفتح لقاءات وحوارات بين الخطباء وجماهيرهم للتصحيح والإصلاح والمراجعة والارتقاء .
ومتى ما تم شيء من ذلك ، أحسَّ الخطيب بتحسنه وفاعليته ، ودفعه ذلك إلى التحضير المسبق ، والإعداد المتقن ، وانعدام ذلك كله يشعر بعزلته ، وانعزال حديثه ، الغادي في غير مساره ، والسالك سوى دربه الذي يفيء بلا رسالة ولا مقصد ولا إنجاز .... والله المستعان .
من وسائل الارتقاء بالمنبر
البناء الروحي: بديمومة التعبد ، ومزيد الإشفاق والتقوى والخوف من الله تعالى ، والتزود للقاءات الناس .
الحس الثقافي: بالتواصل المعرفي قراءة وتدقيقًا وتفننًا ومراجعة للقديم والحديث .
الأثر النبوي: بتوظيف السنن على النفس إجمالًا ، والحرص على الاقتداء ، وباستكمال السنن الثابتة في الخطبة وملقيها (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ)
[ الأحزاب: 21 ] .
الاهتمام المعتبر: المورِث لليقظة ، واستعظام شأن الخطبة ، وأنها من أجلِّ المهام ، ومن أصعب المواجهات .
حسن التدرب: بكثرة الإلقاء في المساجد النائية ، وفي المنزل وملاحظة النفس في المرآة ، وقد قيل (رأس الخطابة الطَبْع، وعمودها الدربة) .
حسن التحضير: وذلك قبل يوم الجمعة بالبحث والتنقيب وتهيئة العناصر والأدلة ، والشواهد والأخبار ، ومحاسن الأساليب والاستهلالات .
اللمسة التجديدية: من خلال تنويع الموضوعات وتكوينها والرقي في الأسلوب والاستهلال ، والتباعد عن التقليدية ، والأساليب المبتذلة .
حسن الإلقاء: بالتفنن في ذلك رفعًا وخفضًا، وسرعة وهدوء وتوقفًا مع مراعاة السلامة اللغوية ، والجودة الخطابية .
النضج الفكري: بحسن اختيار الموضوع ، ومراعاة أحوال الناس وترك تجريحهم ، وفتح منافذ لعقولهم بالتفهم والمشاركة والإبداع .
القوة الشخصية: المتمثلة في صمود الخطيب ، وصلابته ، وحسن هندامه ، وهدوئه ورزانته ، وقوة إقناعه .
مواكبة الأحداث: بحيث لا يصير تاريخيًا ماضويًا ، بعيدًا عن أشجان المسلمين وأحاسيسهم .
الإصغاء للنقد: لأن الناقد بصير والمستمع لمّاح ، والحضور عقول غزيرة ، تثري المنبر باقتراحاتها ونقداتها ، فمهم جدًا الانتفاع بذلك كله ، وتربية النفس والآخرين على قبول النقد وأخذ محاسنه ، وقد تسمعه ممن لا يفقه في الخطابة شيء ، ولم يشم رائحة العلم كما قال بعضهم:
عجبتُ لأقوام يعيبونَ خطبتي ... ...
وما منهمُ في موقفٍ بخطيبِ !
لكن لتتسع صدورنا للجميع ، ولنؤكد لهم أن المنبر ملك مشاع، ونفع مشترك ، لا سيما وأنهم المعنيون بكل ما يقال ، فتحتم سماع توجيهاتهم ومآخذهم .
فن اقتناص الموضوعات
أحيانًا ينبض الفكر عن تحديد موضوع معين ! فلا شيء بازر ، ولا قضية ملتهبة ! ولا الروح منشرحة ، فما الحل ؟! للخروج من مثل تلك الأزمة ـ وهي تنتاب بعض أكابر الخطباء إلى صبيحة الجمعة ـ والحل هو القراءة في كل شيء مما هو أمامك .. كتاب تفسير ، أو سفر حديث ، أو مجلة ثقافية ، أو صحيفة يومية .
حيث تفاجئ بأنك قد تجد خبرًا معزولًا ، أو قصة مصغرة تدفعك إلى شيء نبيل ، يصلح أن يكون محل حديث .
وليحرص الخطيب على أن لا يفرض على نفسه موضوعًا ، وهو له كاره ، لأن الانشرح النفسي طليعة الإبداع والإفادة ، والناس يتفاوتون في ذلك .