ومن ضمن الخواطر المترددة على مشاهير الخطباء ، كلمات تصلح فواتح لموضوعات كثيرة ، فالمتعين حينئذ تقييدها في كراس خاص بالمنبر .
وتعظم أهمية الاستهلال في التناول للموضوعات المشهورة المكررة كقضايا الإيمان ، وفضل الصلاة ووجوبها ، وشرائطها ، والزكاة والإنفاق وحقوق الوالدين والجوار ، وحسن الخلق ، وما شابه ذلك .
وإليك الآن أمثلة من الاستهلال الجيد لموضوعات مشهورة نحو: بر الوالدين ، يحسن أن استفتح بقصة قصيرة في العقوق ، فيها من الرهبة والعظة ما يحدث أثرها في الناس .
ويمكن أن أقول: هل رأيتم الشاب الصحيح الذي أحسن إليه أبوه فجحده ، وأكرمه فعقه ، وآواه فطرده
وفي موضوع كالصبر وما يحويه من مواد ضخمة ، وأفكار طويلة عريضة ، يحسن قولي: نصف الإيمان ، وباب التمكين ومفتاح الفرج ، وحلية الدعاة والمجاهدين ...
أو قول: أوذي نبيٌ من أنبياء ، وضربه قومه وآذوه فما كان منه إلا أن تذرع بالصبر ، الذي جدد إيمانه ، وقوى بأسه ، وشحذ همته وعزمه ....
الأفكار الشاردة
مهما قلَّ عطاء الخطيب وتعاطيه لمنبر الجمعة ، فإنه تمر عليه أفكار وخواطر حول الجمعة وكيفية تناولها ولو في موضوعات محدودة.
ومثل تلك الأفكار ، ما ينبغي الاستهانة بها وهي جديرة بأن تحفظ وتُدخَّر لأيام الحاجة وساعات الافتقار ، وذلك في أوراق مخصوصة نسميها هنا (كراس المنبر) .
وهو يحتوي ما يلي:
فهرس عام لكل ما تشتهي طرقه ، وتوجيه الناس إليه .
خواطر وسوانح تعرض للإنسان ، فيها الجليل والمهين ، والمستحسن تقييدها بكمالها .
من تلك الخواطر أفكار في غاية الأهمية ، يصلح كثير منها في الاستهلالات والافتتاحيات المؤثرة في ترسيخ الخطبة ، وإبراز جودتها .
تنبيهات الأصحاب والشيوخ وخبراء المنابر وهي على قسمين: قسم يرشد لتناول موضوعات مهملة . وقسم يقصد التوجيه والتصحيح في الأداء واللغة والتفاعل والاستعمال .
فوائد الكتب الصغيرة كقصص مهمة ، وأخبار ذات أثر معين ، وشواهد وقصص تاريخية ، يبين مواضعها في الكتب المقروءة.
تجربتك الشخصية في تناول موضوع مخصوص ، قبل أن تستفيده من الآخرين بحيث كأنك تقول: كيف سأدخل إليه ؟!
فمثلًا موضوع كأهمية صلاة الجماعة ، أو حرمة الزنا والفواحش. كيف أحسن الولوج إليه في ظل شهرتها عند الناس ؟!!
فقائل: أدخلُ بسرد آيات الوجوب أو التحريم وقائل: يرشد بذكر محاسن التشريع . وآخر: يستحسن البدء بقصة تظهر عظم الثواب ، أو فداحة الزنا وأضراره ، وإحصاءات الإيدز ونظائرها المرهبة من هذه الفعلة الشنيعة وهلم جرا .. المهم أن تقيد تجربتك أنت ، وتستفيد من تجارب الأكابر والمبدعين في هذا الباب .
ولا أبالغ عندما أفيد من تجربتي المتواضعة هنا ، أنني أهتم وأتهيب الاستهلال، أكثر من اهتمامي باختيار الموضوع ، لأن الموضوعات غزيرة ، والكتب وسيعة ، والإنترنت بحر لا ساحل له ، ولكن المشكل عندي ، والمربك لتفكيري ، كيف أشرع في الموضوع ؟ وكيف أستطيع من أجزائه المتفرقة ، أن أكسب الناس بضعة دقائق ليستفيدوا فائدة ، أو يدركوا عنوان الموضوع ومحاسن ما فيه ، لا سيما وأن أكثر العامة إذا سألتهم بعد يوم من الخطبة ، عماذا تحدَّث خطيبكم هذا الأسبوع ؟!
قال: نسيت ، لا أدري!
وهذا سبب انحطاط كثير من الخطب ، وانعزالها عن واقع الناس ، واختلالها الفني والذوقي ، وإهمالها للاستهلال المستطاب ، والمفتتح الجذاب ، والله المستعان .
التقليدية الفاترة
توارث الناس منذ القدم نمطًا معينًا في الخطابة ، وكان لبعض الفقهاء دور في ترسيخه ، شاركهم كتبة الخطب والمقامات الذين انتشرت خطبهم في الآفاق وحفظها الناس ، ومن ذلك:
التنصيص على ذكر ما يسمى أركان الخطبة ، مع إهمال موضوع الخطبة الرئيسي ، ونرى أنه ينبغي الاعتناء بالأمرين الأركان والموضوع المفيد للناس، وهذه الأركان ليست بشرط على الصحيح ، وإن كانت هي زينة الخطب ، ومن منافذ التأثير والترقيق ، ومن استدام تركها لا ريب أنه قد أساء !
لزوم افتتاحية معينة ، محفوظة من بعض الخطباء ، فيها من الصنعة والتكلف ما فيها بخلاف الصحيح الثابت (إن الحمد لله
نحمده .... فإنها من أجل الكلمات ، ومن محاسن الثناءات .
عدم الانفكاك عن قول (عباد الله) (إخواني في الله) (أقول قولي هذا) وكأنها الوحي المنزل ، ولا يصح غيرها ، ولا يوجد سواها ، حتى استهجنها الناس ، ضاقوا من تكرارها ، ومن التجديد إهمالها كثيرًا أو أحيانًا واستعمال ألفاظ حديثة من نحو (معاشر المسلمين) (أيها الإخوة الكرام) (أيها الفضلاء) (أيها السادة الأعزاء) .
ومن الألفاظ النبوية (أيها الناس) والمقلدة المتأخرون التزموا خلاف المشروع ، وغفلوا عن هذه العبارة الثابتة .