رغم كل ما نقرره من صفات رئيسة للخطيب ، وعوامل نجاح وإبداع وتثقيف ، إلا أننا لا نهمل بالدرجة الأولى (روحانية الخطيب) ، (وسياجه الرباني) الذي يفتح له مستغلَق الأفكار ، ومستعجمَ الكلمات ومضايق المواقف والمصاعب ، وهي تتمثل في ورد مضبوط ، وذكر محفوظ ، واستغفار متتابع ، وعبادة خفية ، وإخبات دائم ، ولهج بالتوفيق والقبول .
كما قيل:
ودائمًا تلوذ بالفتاح ... ...
لتحظى بالتوفيق والنجاح
ومن دعاء شعيب عليه السلام: (رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الفَاتِحِينَ) [ الأعراف: 89 ] .
إن مثل تلك الأوراد والأدعية الخفية جديرة أن تجعل من الخطبة إشعاعًا يغذي الخطيب وسامعيه ، ويغني المتحدث ومتابعيه، وإنها لتزيد من إصرار الخطيب وهمته وعزمه ، وتفتح له ينابيع من الحكمة والبيان لم يكن حضّرها من قبل .
إن لقاء الخطيب كل جمعة بمئات أو آلاف، جاءوا يسمعون كلمته ويتعظون بموعظته ، كافٍ في إيقاظه وتبصيره بثقل الأمانة ، وعظم المسئولية ، ووطأة التصدر ، فيعالج نفسه إعدادًا وتربية وتحضيرًا حتى يخفف البأس ، ويدفع الملام ، ويتقي الإثم .
قال تعالى: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ المُحْسِنِينَ) .
[ العنكبوت: 69 ]
ينبغي للخطيب أن يعد من الطاعات ما يهون عليه لقاءه بالناس ، ويكشف عنه حُجُب العنت والإعراض والمشاق ، وليلح على الله كثيرًا أن يذلل له الصعاب ، ويقيه شر الزلل والتباب .
إن روحانية الخطيب تمحو التجاوزات ، وتستر العيوب وتفيض مدامع الصدق والإخبات عند ذكر الموت وتلاوة الآيات وسماع البينات ، وتدبر المواعظ والتهديدات .
ومن روحانيته الصادقة مطابقة قوله لعمله، وتقرير خطبه لسلوكياته الجميلة ، وتدينه الصادق الذي يجسد تأثيره ، ويوصل رسالته بكل سلاسة ، وإلا فالحال كما قيل:
لا يُعجبنَّك من خطيب قولُه
حتى يكونَ مع اللسان أصيلا
فالقول مقتضاه العمل ، والخطبة الامتثال، والنصح المبادرة والسباق ، ومن محاسن كلام أكثم بن صيفي (وأفضل الخطباء أصدقها) .
قال تعالى: (هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ) [المائدة: 119] .
وقال عز وجل أيضًا: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) [التوبة: 119] .
ثقافة الخطيب
من أهم ركائز الخطيب وتفوقه وبروزه ، هي دوام اطلاعه الشرعي ، وتواصله المعرفي مع كل مناحي المعرفة ، فيقرأ في الشريعة، وعلوم الاجتماع والسياسة والإدارة والفلسفات ، ليؤدي دوره بجدارة ، ويحسن مخاطبة الجميع ، ويتجاوز كل الإشكالات والعوائق التي يمكن أن تواجهه .
ومن ثقافته (نافذته الإعلامية) التي تعرفه بأحداث الأمة ، وواقع الناس ، عَلَّ خبرًا أو حديثًا أو قصة أن تكون مفتاح خطبة ، أو محل تناول ونقاش ومعالجة .
كثير من الصحف مع ضعفها ، إلا أنها قد تأتي بظواهر اجتماعية تستحق النقاش ، أو مشكلات تبحث عن حل . والخطيب الحاذق ، هو من يحسن رصد هذه الظاهرة وحلها شرعيًا ، وكشف محاسنها وعيوبها، وإبداء المغالطات الشرعية والفكرية فيها ، فيما لو ذكرتها الصحيفة على وجه الاستحسان والتلبيس !!
الخطيب المثقف هو القارئ الثَرّ ، والمتفنن في المعرفة ، ومن يحسن الانتقاء المعرفي ، ليفيد الناس ، ويرتقي بعقولهم واهتماماتهم ، ولا يغفل عما يضفي على ثقافته من حسن السبك وجزالة الكلام ، وروعة الأساليب ، حتى يحرز الملكة الأدبية ، ويمكن تحصيلها بدوام الاطلاع والتحفظ والإنشاد في (البيان والتبيين) للجاحظ ، وكثير من كتبه ، وأيضًا (المثل السائر) ، (والأمالي) ، (والامتاع والموآنسة) ، وبعض أعمال المعاصرين ، كالرافعي ، والمنفلوطي ، والعقاد ، والغزالي ، والطنطاوي.
إذ مثل هذه المصادر تسهم في تكوين ملكة الخطيب الأدبية وترزقه موهبة الكتابة ، وقدرة على صناعة الخطب والرسائل ، لا سيما من يعتمد كتابة خطبه بيده .
أما المرتجل فإنها تسمو به للعلاء ، وتجعل لخطابه دويًا هائلًا ، ورونقًا جذابًا ، حيث تكبر الشخصية في عيون الناس ، مما يسهم في التأثير والإقناع ، لا يملك المستمع معه إلا الأدب والإجلال ، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء .
براعة الاستهلال
من محاسن ما يُعتنَى به في الخطبة ، المدخل الجذاب إلى الموضوع ، الذي من خلاله يمكن سحب الحضور واحتواءهم لفكرة الموضوع الأولية، وهو ما يسميه البلاغيون (براعة الاستهلال) وهو يأخذ صورًا شتى كالأساليب الجميلة والاستفهامات ، والقصص والأمثال والفرضيات والوقائع .
وهو فن لا يحسنه كل أحد ، وقد تجد الخطيب المبدع والمثقف ولكنه يفوته ، حسن المدخل ، وطراوة المفتح ، وعذوبة المبدأ !! ومما يعين على فهمه وحذقه ، سعة الثقافة ، ودوام التفكير ، وعرك الذهن بعد تحديد الموضوع بأيام قبل الجمعة .