الصفحة 109 من 733

أما من دونهم ، فيجنح الخطاب إلى الإيغال العاطفي والتعبئة الروحانية والأدبية ، حتى تزكو الأنفس ، وتُهرع للحسنات وتسلم

الآفات . ويعتمد التقليل من الخطاب العقلي إلى حد ما . وهذه هي الحكمة المنشودة ، والتفقه الذكي الألمعي (قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ) [البقرة:60] .

ومن فقه الخطاب أن لا يكلف الناس ما لا يطيقون ! فليس من الحكمة نسبة كل الأخطاء والمخالفات ، المتراكمة عبر قرون والتقهقر الحضاري والهزيمة النفسية إلى جموع الحاضرين ، دون توازن وإنصاف ، ومحاولة التقدير العقلي المحكم ، ومن المستقبح هنا تحدث بعضهم في مساجد الأسواق المهنية عن مثل ذلك ، وصب قضايا دولية موجعة ، وطرح مسائل فكرية عميقة إلى أناس يحضرون متأخرين ، وجل اهتمامهم لقمة العيش وراحة البال !

خطب المناسبات

خطبة الجمعة ذات مناسبة أسبوعية ، وهي عيد متجدد ولكن لما تكررت ، أُعطيت حجمًا واسعًا من التثقيف والتنقيح والانتقاد .

أما ما عداها كخطب العيدين والاستسقاء والكسوف فلها هديها الثابت ، ومسارها الصحيح .

لكن المتعين ذكره هنا ، الحرص على إصابة السنة فيها ، واجتناب الأحاديث الضعيفة والموضوعة في ذلك ، إذ لا يزال بعضهم يردد في الأعياد والاستقساء منكرات الأخبار ، وواهي الآثار ، التي هي آفة الخطب، وأزمة الكلمات والتوجيهات .

وفي الصحيح غنية عن الضعيف ، لمن فكَّر ، وبحث ، ودقَّق وابتغى الفائدة والإتقان .

ويعاب على بعضها التطويل الممل ، والإطناب الصاخب ، وكأنه يسرد فهرس العام، وحصاد المرحلة .

ومن خطب المناسبات ما يتعلق بموسم الحج ورمضان ، والسنن الفاضلة ، ويعتقد كثير من الخطباء أنه يجب تخصيص خطبة لكل سنة يأتي زمانها ، حتى إني رأيت بعض إخواننا الخطباء يتململ كيف يتناولها، وقد كرر كثيرًا ، وللإجابة: رمضان والحج موضوعاتها خصبة، وتفريعاتها كثيرة ، أما بالنسبة للسنن ، فليس صحيحًا ذكرها كل وقت، لأن منها ما ذاع وانتشر ويكفي ذكرها ذكرًا محدودًا ، وليس تخصيص خطبة بطولها ومعانيها .

أخطب الناس

من يأسرهم بحديثه ، ويسلبهم بصدقه ، ويجمعهم بروحانيته، ويقنعهم بطرحه ، ويغنيهم بفضله وعلمه ، ويراعي فهومهم ويلاحظ انتباهم وانصرافهم .

وهو قليل نادر ، لكن بالصدق والجد ، تذلل الصعاب وتتحطم المشاق .

وقد كان قبل الإسلام ، أخطب الناس: سحبان وائل الباهلي ، وهو القائل:

لقد علم القومُ اليمانونَ أنني ... ...

إذا قلتُ أما بعد أني خطيبها

وضربوا في الأمثال لمن أحسن وأتقن: (أخطب من سحبان وائل) .

فابتغ في ذلك مقاصد المعاني ، وأرقى المباني ، وتحلَّ بالجد والصبر ودوام التنقل والتحديد ، مشعلًا همتك ، وحافزًا عزيمتك ، حتى تكون ممن حمل الخطبة بجد ، وأخذها بقوها ، وحلاها بمحبة الله ، والنصح له ولدينه وعامة المسلمين ، وإلا فدع وتنازل .

قل لمرجي معالي الأمور ... ...

بغير اجتهاد رجوتَ المحالا

وفقك الله ، وألهمك الجد والصدق والتفوق.

آمين

خطيب السنة

لقب عُرف به الإمام ابن قتيبة رحمه الله ، صاحب أدب الكاتب وعيون الأخبار ، وغريب الحديث .

كما عرف الجاحظ بأنه خطيب المعتزلة (الفتاوى 17/392) ونعني به في العصور الحالية من يوظف السنن على نفسه وأهل بيته، ويلتزم الهدي الخطابي النبوي جيئة وذهابًا ، قولًا ونصحًا ، وترغيبًا وترهيبًا وإيجازًا وتطويلًا ، غير مسف ولا متكبر ، ولا غال ولا متحجر ، يغرس الإيمان غرسًا ، ويرص أصوله رصًا ، دون سجع متكلف ، ولا تقعر متعجرف ، ولا تعالم متفلسف ، وإنما يقتصد اقتصادًا ويفيد إفادًا ، ولا يغرب إغرابًا، حيث يفي بالمقصود ويصيب المحمود ، دون تزايد أو نقصان ، أو إبخاس بالإنسان والإيضاح ، فهو من ترفّ له المصاطب وتهتز له المنابر ، وتسر به الجموع والمجامع.

كما قيل في بعضهم:

تُضيء له المنابرُ حين يرقىَ ... ...

عليها مثلَ ضوء الزِبرقانِ

والزبرقان: هو القمر .

فكن خطيب السنة والجماعة ، لا خطيب البدعة والفرقة والشناعة . (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي ، عضوا عليها بالنواجذ) .

صناعة خطيب

لو تأمل المتأمل ، وانتبه النبيه في حلقته ، ومدرسته وجامعته ، أن في الأفق ما يلوح ، وفي المزاهر ما يلمع ، وفي الألسن ما يرنّ ويطيب، بحيث يصلح أن يكون الخطيبَ المرتقب ، والمتحدث النبَّار (1) ، الذي يبدو من نعومته خطيبًا ، ومن صباه لسنًا أريبا ، فيصنعه الإمام ، ويهيئه المعلم ، ويقذف في قلبه نور الإيمان ، وينابيع الحكمة ، ويحلي لسانه بنوادر الخطب ، ولوامع الأشعار ، ليزدانَ عذوبةً وسهولة ، ويفوقَ رجاحةً وفخامة .

يصنعه للمستقبل ، وينيبه عند النوائب والشواغل ! فلقد أوتينا نعمة، وامتن الباري بمنةٍ ورحمة ، وذا هو الخطيب خِلقه وفِطرة ، فهو (خطيب النفس) كما قالوا فقيه النفس .

وما أخلَقه بقول القائل:

إذا وُلد المولودُ منا تهلَّلت ...

له الأرضُ واهتزت إليه المنابرُ

(1) النبار: البليغ الفصيح .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت