أما من دونهم ، فيجنح الخطاب إلى الإيغال العاطفي والتعبئة الروحانية والأدبية ، حتى تزكو الأنفس ، وتُهرع للحسنات وتسلم
الآفات . ويعتمد التقليل من الخطاب العقلي إلى حد ما . وهذه هي الحكمة المنشودة ، والتفقه الذكي الألمعي (قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ) [البقرة:60] .
ومن فقه الخطاب أن لا يكلف الناس ما لا يطيقون ! فليس من الحكمة نسبة كل الأخطاء والمخالفات ، المتراكمة عبر قرون والتقهقر الحضاري والهزيمة النفسية إلى جموع الحاضرين ، دون توازن وإنصاف ، ومحاولة التقدير العقلي المحكم ، ومن المستقبح هنا تحدث بعضهم في مساجد الأسواق المهنية عن مثل ذلك ، وصب قضايا دولية موجعة ، وطرح مسائل فكرية عميقة إلى أناس يحضرون متأخرين ، وجل اهتمامهم لقمة العيش وراحة البال !
خطب المناسبات
خطبة الجمعة ذات مناسبة أسبوعية ، وهي عيد متجدد ولكن لما تكررت ، أُعطيت حجمًا واسعًا من التثقيف والتنقيح والانتقاد .
أما ما عداها كخطب العيدين والاستسقاء والكسوف فلها هديها الثابت ، ومسارها الصحيح .
لكن المتعين ذكره هنا ، الحرص على إصابة السنة فيها ، واجتناب الأحاديث الضعيفة والموضوعة في ذلك ، إذ لا يزال بعضهم يردد في الأعياد والاستقساء منكرات الأخبار ، وواهي الآثار ، التي هي آفة الخطب، وأزمة الكلمات والتوجيهات .
وفي الصحيح غنية عن الضعيف ، لمن فكَّر ، وبحث ، ودقَّق وابتغى الفائدة والإتقان .
ويعاب على بعضها التطويل الممل ، والإطناب الصاخب ، وكأنه يسرد فهرس العام، وحصاد المرحلة .
ومن خطب المناسبات ما يتعلق بموسم الحج ورمضان ، والسنن الفاضلة ، ويعتقد كثير من الخطباء أنه يجب تخصيص خطبة لكل سنة يأتي زمانها ، حتى إني رأيت بعض إخواننا الخطباء يتململ كيف يتناولها، وقد كرر كثيرًا ، وللإجابة: رمضان والحج موضوعاتها خصبة، وتفريعاتها كثيرة ، أما بالنسبة للسنن ، فليس صحيحًا ذكرها كل وقت، لأن منها ما ذاع وانتشر ويكفي ذكرها ذكرًا محدودًا ، وليس تخصيص خطبة بطولها ومعانيها .
أخطب الناس
من يأسرهم بحديثه ، ويسلبهم بصدقه ، ويجمعهم بروحانيته، ويقنعهم بطرحه ، ويغنيهم بفضله وعلمه ، ويراعي فهومهم ويلاحظ انتباهم وانصرافهم .
وهو قليل نادر ، لكن بالصدق والجد ، تذلل الصعاب وتتحطم المشاق .
وقد كان قبل الإسلام ، أخطب الناس: سحبان وائل الباهلي ، وهو القائل:
لقد علم القومُ اليمانونَ أنني ... ...
إذا قلتُ أما بعد أني خطيبها
وضربوا في الأمثال لمن أحسن وأتقن: (أخطب من سحبان وائل) .
فابتغ في ذلك مقاصد المعاني ، وأرقى المباني ، وتحلَّ بالجد والصبر ودوام التنقل والتحديد ، مشعلًا همتك ، وحافزًا عزيمتك ، حتى تكون ممن حمل الخطبة بجد ، وأخذها بقوها ، وحلاها بمحبة الله ، والنصح له ولدينه وعامة المسلمين ، وإلا فدع وتنازل .
قل لمرجي معالي الأمور ... ...
بغير اجتهاد رجوتَ المحالا
وفقك الله ، وألهمك الجد والصدق والتفوق.
آمين
خطيب السنة
لقب عُرف به الإمام ابن قتيبة رحمه الله ، صاحب أدب الكاتب وعيون الأخبار ، وغريب الحديث .
كما عرف الجاحظ بأنه خطيب المعتزلة (الفتاوى 17/392) ونعني به في العصور الحالية من يوظف السنن على نفسه وأهل بيته، ويلتزم الهدي الخطابي النبوي جيئة وذهابًا ، قولًا ونصحًا ، وترغيبًا وترهيبًا وإيجازًا وتطويلًا ، غير مسف ولا متكبر ، ولا غال ولا متحجر ، يغرس الإيمان غرسًا ، ويرص أصوله رصًا ، دون سجع متكلف ، ولا تقعر متعجرف ، ولا تعالم متفلسف ، وإنما يقتصد اقتصادًا ويفيد إفادًا ، ولا يغرب إغرابًا، حيث يفي بالمقصود ويصيب المحمود ، دون تزايد أو نقصان ، أو إبخاس بالإنسان والإيضاح ، فهو من ترفّ له المصاطب وتهتز له المنابر ، وتسر به الجموع والمجامع.
كما قيل في بعضهم:
تُضيء له المنابرُ حين يرقىَ ... ...
عليها مثلَ ضوء الزِبرقانِ
والزبرقان: هو القمر .
فكن خطيب السنة والجماعة ، لا خطيب البدعة والفرقة والشناعة . (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي ، عضوا عليها بالنواجذ) .
صناعة خطيب
لو تأمل المتأمل ، وانتبه النبيه في حلقته ، ومدرسته وجامعته ، أن في الأفق ما يلوح ، وفي المزاهر ما يلمع ، وفي الألسن ما يرنّ ويطيب، بحيث يصلح أن يكون الخطيبَ المرتقب ، والمتحدث النبَّار (1) ، الذي يبدو من نعومته خطيبًا ، ومن صباه لسنًا أريبا ، فيصنعه الإمام ، ويهيئه المعلم ، ويقذف في قلبه نور الإيمان ، وينابيع الحكمة ، ويحلي لسانه بنوادر الخطب ، ولوامع الأشعار ، ليزدانَ عذوبةً وسهولة ، ويفوقَ رجاحةً وفخامة .
يصنعه للمستقبل ، وينيبه عند النوائب والشواغل ! فلقد أوتينا نعمة، وامتن الباري بمنةٍ ورحمة ، وذا هو الخطيب خِلقه وفِطرة ، فهو (خطيب النفس) كما قالوا فقيه النفس .
وما أخلَقه بقول القائل:
إذا وُلد المولودُ منا تهلَّلت ...
له الأرضُ واهتزت إليه المنابرُ
(1) النبار: البليغ الفصيح .