الصفحة 110 من 733

فأعد لك خلَفًا ، وانشر عبَقًا ، وابقِ فضلًا وذخرًا وإياك وسداد الفراغ بمسودات الأوراق، ورَدْم الخروق ، بالقاصي والمخروق !

العصف المنبري

لهيبته في قلوب أهله ، يشتت أذهانهم ، ويعصف بهمومهم ويشيب رؤوسهم ، وقد قيل لعبد الملك بن مروان(عَجِل عليك الشيب

يا أميرِ المؤمنين ! فقال: كيف لا يعجل عليَّ ، وأنا أعرض عقلي على الناس في كل جمعة مرة أو مرتين ، أو قال: شيبني صعودُ المنابر والخوف من اللحن) (جمهرة خطب العرب3/360) .

وذا هو العصف المنبري الذي يكدر الخاطر ، ويشيب له المفرق ، ويرق له الجسم، ويكبر به الهم !

ولكن عند أهله النُجُب ، وحملته الغُيُر ، الذي يتخذونه عبادة لا ريادة ، ويرأسونه استحقاقًا لا استرزاقًا ، ويؤدونه بعناية لا طمعًا وجباية. والسلام .

الخطيب القراء

كل من يعرض عقله على الناس أو يوزع فكره في الخلائق لابد له من موارد يرتادها ، ومن منابع يرتشف منها حتى لا تفرغ الجعبة، ولا يجدب المتجر ، ويكون التكرار ويصاب بالإفلاس !

ومن أكثر الناس قراءةً ، المتحدثون والعلماء ، وملقو الدروس وأرباب الندوات والمناظرات ، فهم في تزايد ثقافي ، وفي تنامٍ معرفي .

والخطيب صنف من أولئك ، جدير بالتزود المعرفي ، وبالاطلاع المتواصل ، وقد قال بعض المفكرين: (الخطيب الجيد قارئ جيد) .

فهو جيد في إطلاعه الفسيح ، وجيد في انتقائه العذب ، وجيد في تحصيل معارفه ورغائبه ، وجيد في استثمار أوقاته ، وجيد في اقتناص موضوعاته .

ويقبح أن يحض الناس على العلم ، ويتلو (اقرأ) وهو من أقلهم قراءة ، وأدناهم معرفة .

ومن روائع كَلِم بعض الفضلاء: (من خدم المحابر خدمته المنابر) ليستيقن هذا الخطيب ونظراؤه ، أنه بخدماته المنبرية وجهوده القرائية ، ستلين له المصاعب المنبرية وتكسر الحواجز الخطابية ، وينتبه أثناء القراءة ، أن يكون سريعًا ، لبيبًا ، متذوقًا ، ويراعي ما يلي:

تخصيص ساعات معينة للقراءة اليومية ، مهما كانت الظروف والأشغال .

تنويع القراءة ، وتنقلها في معارف عديدة .

تقييد الأفكار اللافتة ، والتنبيهات الرائعة ، والأبيات الرائقة ، ليتم حفظها، ويصلح الاستشهاد ببعضها .

تعميق الجانب الشرعي ، واسترواح مكملات التثقف ومتممات المعرفة.

جرد المطولات ، واستخلاص المباحث الرصينة منها التي تحسن خطبًا ، وتطيب أحاديثَ ومواعظ .

رصد الكتب الجديدة ، لا سيما ما يتعلق بثقافة الخطيب وتزويده ، وتجارب المتحدثين والملقين .

تحفظ الأساليب الجميلة ، والكلمات الجزلة ، لا سيما ما يشيع في كتب اللغة والأدب ، فإنها تزيد المنطق ، وتشنف الأسماع ، وتأسر الأفئدة .

عزل الخطيب

إنما يعزل الخطيب تقصيرهُ الشرعي ، وتأزمه الخلقي ، وحماسه اللامحسوب ، وانقباضه المستكين ، وإثارته البلبلة ، وحديثه العامي ، وفكره المريخي ، ولحونه المتكاثرة .

(لما قيل للحسن: إن إمامنا يلحن ! قال: أخروه) .

ومثل هذه المنزلة الشريفة لا يؤمها من قل فقهه ، وانحرف سلوكه وفاحت رائحته .

وأقل ما يواجهه الناس به هجرانه ، والتباعد عن سماعه والإصغاء له ، وهذا ما نعنيه هنا بعزله ، فهو وإن لم ينعزل حسًا فقد انعزل معنى وصار ممن أساء وقصّر ! فإن لم يصلح نفسه ، ويراجع منهجه فالتراجع راحة ، والاستتار منجاة ، وإلا فالنقاد بصراء ، والألسن جارحة ، والعيون ناكئة ، والجزاء من جنس العمل ، ولا يظلم ربك أحدًا .

فطِنٌ بكل مصيبةٍ في مالهِ ... ...

وإذا يُصاب بدينه لم يشعرِ

من آفات الإلقاء

التزام الورقة على كل حال ، واتساعها بشكل ملفت للنظر.

استعمال ألفاظ عامية ، أو كلمات مستهلكة تشمئز منها النفوس ، وتورث انطباعًا كئيبًا لدى الحضور .

التفاصح الغالي ، والتفاخر البعيد ، الذي يحول دون الفهم والإدراك .

التمايل والانهزاز غير المنضبط أثناء الأداء .

ارتفاع الصوت عن الحد المحمود ، أو انخفاضه عن المطلوب، فالأول مزعج، والآخر مفقود .

تكرار الجمل لغير حاجة ، وهذا ينتاب كثيرًا المرتجل غير المنظم .

فصل الجمل عن بعضها ، والوقفات غير الصحيحة .

كثرة الكحة والسعال والتي توحي بسقم الخطيب ، وكان حسنًا لو أناب غيره ، وما أتلف نفسه ، وألقمها المواجع !

عدم وضوح الصوت ، أو ارتخائه ، أو هدوئه نحو ما يكون في المحاضرات العادية .

على مستوى الحدث

أضحى قولهم: (فلان على مستوى الحدث) كلمة مدح وإطراء تنبيء عن حذقه ، وجودته ، وإتقانه لمهمته .

وفي (الحياة الخطابية) ، لما كان منبر الجمعة من الشعائر الظاهرة، واستقُصد الإسلام ورسالته ، وشُن ضده ما يسمى بالحرب على الإرهاب صار أحسن من يعبر عن الإسلام ، وعن دعوته وعلاقته بالأمم العلماء ، ومنهم الخطباء الذين يصعدون بمئات الألوف كل جمعة ، وصارت وسائل الأنباء ترصد خطبهم ، وتحلل كلماتهم وتعجب من تجمعاتهم .

فتوجب ارتقاء الخطيب شرعيًا ، وفكريًا ، وثقافيًا حتى يكون على أتم دراية ، وأحسن مواكبة لكل ما يمس عقيدته ، أو يجادل في تعاليم دينه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت