إن التميز في مجال الإيمان عقيدةً صحيحةً ، ومعرفةً جازمةً ، وتأثيرًا قويًا يعد- بلا نزاع - أهم المقومات وأولى الأولويات بالنسبة للداعية ، لكي يكون الداعية عظيم الإيمان بالله ، شديد الخوف منه ، صادق التوكل عليه ، دائم المراقبة له ، كثير الإنابة إليه ، لسانه رطب بذكر الله ، وعقله مفكر في ملكوت الله ، وقلبه مستحضر للقاء الله ، مجتهد في الطاعات ، مسابق إلى الخيرات ، صوام بالنهار قوّام بالليل ، مع تحري الإخلاص التام ، وحسن الظن بالله وهذا هو عنوان الفلاح ، وسمت الصلاح ، ومفتاح النجاح ، إذ هو تحقيق لمعنى العبودية الخالصة لله وهي التي تجلب التوفيق من الله فإذا بالداعية مسدد ، إن عمل أجاد ، وإن حكم أصاب ، وإن تكلم أفاد.
ولا يتصور للداعية نجاح وتوفيق ، أو تميز وقبول دون أن يكون حظه من الإيمان عظيمًاإذ كيف تدعو الناس إلى أحد و صلاتك به واهية ومعرفتك به قليلة وهذه الغاية العظمى تتصل أكثر شيء بأعمال القلوب التي تخفى على الناس ولا يعلمها إلا علام الغيوب ، إلا أن آثار ذلك تظهر بوضوح في الأقوال والأفعال ؛فإن"عكوف القلب على الله تعالى ، وجمعيته عليه ، والخلوة به ، والانقطاع عن الاشتغال بالخلق ، والاشتغال به وحده سبحانه ، بحيث يصير ذكره وحبه ، والإقبال عليه في محل هموم القلب وخطراته ، فيستولي عليه بدلها ويصير الهم كله به ، والخطرات كلها بذكره ، والتفكر في تحصيل مراضيه وما يقرب منه ، فيصير أنسه بالله بدلًا عن أنسه بالخلق ، فيعده بذلك لأنسه به يوم الوحشة في القبور حين لا أنيس له ، ولا ما يفرح به سواه (1) "
كل ذلك ينعكس على الداعية فتظهر على شخصيته آثار الإيمان الصحيح المتحرك .
الفصل الثالث
الخطيب وجمهوره
السحر العجيب
القناعة والعفة
الإحسان قبل البيان
ذوقيات الخطيب
الورع واتقاء الشبهات
اللين والرفق
7-الإحساس بالناس
8-الصلة بالجماهير
9-تجنب الأمور الخلافية
1-السحر العجيب
الخطيب والداعية الناجح هو صاحب الخلق العظيم مع الناس بالابتسامة المشرقة والكلمة الطيبة
نعم .. إنها حركة بسيطة ، و لكنها تعني للمدعو الشيء الكثير ، فهي بذرة صغيرة ترميها في نفسية المدعو تنمو و تكبر ، و تؤتي أكلها بإذن الله .
و هاهو خير البشر يرشدك- أيها الداعية - و يحثك على البسمة: فيقول:
( تبسمك في وجه أخيك صدقة ) ،
وهاهو - صلى الله عليه و سلم - يصف حسن الخلق فيقول: ( بسط الوجه و بذل المعروف و كف الأذى ) و يقول: ( كل معروف صدقة ، و إن من المعروف أن تلقى أخاك بوجه طلق )
.و اعلم أيها الداعية - سدد الله خطاك - أن العبوس و الغلظة ليست من الدين في شيء ، خاصة في مقام الدعوة إلى الله ، و لا يهمك بعض من جعلوا من العبوس أصلا من أصول الدين ، فابتسامته كهلال رمضان لا يوفق الكثير في رؤيتها ، و يسمي هذا التزمت التزاما ، أو وقارا ، وأنا أرى أن هذا الذي يفعل هذا الفعل لن يكون أكثر وقارًا من رسول الله صلى الله عليه و سلم ، الذي قال فيه أبو الدرداء رضي الله عنه: ( ما رأيت أو ما سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يحدث حديثا إلا تبسم ) ، و في حديث آخر عن عبد الله بن الحارث بن جزء قال: ( ما رأيت أحدا أكثر تبسما من رسول الله صلى الله عليه و سلم ) .
وأنا في هذا المقام لا أريد أن أتوسع ، فأتكلم عن رحابة الصدر و اللين في الدعوة ، و التي سيكون لها بحثها الخاص - إن شاء الله - و أريد أن أبقى في إطار الابتسامة ، و لا بد و نحن نبحث فيها أن نؤكد على أمر مهم وهو: أن تكون هذه الابتسامة التي نهديها أحباءنا صادقة نابعة من القلب ، و إلا فإنها سهم طائش ، لن يصيب بل إنها قد تؤدي إلى نتائج سلبية في نفسية المدعو الذي لن يترجم الابتسامة الصفراء الكاذبة - و هو يعرفها - إلا بكلمات سوداء ، و مشاعر حزينة ، و هذا من أكبر العوائق في طريقك إلى قلبه .
و هاهو ديل كارنيجي - أحد علماء النفس المشهورين - يقول في كتابه كيف تكسب الأصدقاء و تؤثر في الآخرين:"إن ما يقال أن سر النجاح يكمن في العمل الجاد و الكفاح فلا أؤمن به ، متى تجرد من الإنسانية اللطيفة المتمثلة في البسمة اللطيفة".
و هاهم أهل الصين يوجهون لدعاة الإسلام نصيحة جميلة ، و الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها أخذها .. إذ يقول المثل الصيني:"الرجل بوجه غير باسم لا ينبغي أن يفتح دكانًا"و نحن نقول:"الداعية بوجه غير باسم لا ينبغي أن يكلم إنسانًا"
فكن أخي كالرجل الهرم الذي قال فيه الشاعر زهير:
تراه إذا ما جئته متهللا
كأنك تعطيه الذي أنت سائله
و إياك أن تكون من الذين:
وجوههم من سواد الكبر عابسة
كأنماأوردوا غصبا إلى النار
ليسوا كقوم إذا لقيتهم عرضا
مثل النجوم التي يسري بها الساري
و تذكر دوما أن:
الابتسامة تحدث في ومضة و يبقى ذكرها دهرًا ، هي المفتاح الذي يفتح أقسى القلوب ، و هي العصا السحرية التي تكبت الغضب ، وتسري عن القلب.
(1) - زاد المعاد 2/87