ولكثرة جراح المسلمين وشجونهم ، التهبت المنابر ، ونشطت الخطب الفكرية ، ذات البعد السياسي والصراعي والأممي ، وهذا حسن ابتداءً ، ويؤجر عليه صاحبه لكننا ندعو (للاعتدال) ، ونرشد إلى ما يلي:
التوسط في تناوله القضايا المصيرية والأممية ، ومحاولة ربطها بقضايا الإيمان ، وفداحة الخطايا المرتبكة ، وأن المصائب ثمرات الذنوب والتجاوزات . قال تعالى: (وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ) [الشورى: 30] .
الحذر من تحول الخطبة إلى منبر سياسي، وسرد للأخبار العالمية ، والأحداث والتصادمات على حساب الوعي الشرعي ، والتزرد الإيماني والخلقي ، والخروج عن الهدي المشهور .
لا تنسينا المآسي الكبرى ، مأساة الفقر الجاثم ، والبطالة المتفشية ، والجهالة القائمة، وفردًا استطعمَ الظلم الأكبر ، والمخادعة الخسيسة والغش التجاري ، الذي ينال أفرادًا من الأمة ، فاقدر لكل أمر قدره ، والبس لكل حالة لبوسها ، بلا ميل ولا إجحاف .
تنوع التوجيه المنبري ، وملامسته لكل الأطياف هو المسلك المستحسن ، والشكل المختار ، بحيث لا ينأى الخطيب ، فيبتعد ولا يقرب فيمل ويضاق به !
ربط الخطبة بالواقع لا تعني الانهماك فيه، ونسيان قضايا الإيمان وأصول الإسلام ، ومحاسن الآداب والشيم .
من علاج المأساة صناعة الأمل ، وبث روح السعادة ومنائر الضياء في المستمعين، والتفاؤل كثيرًا ، لتهيأ الأنفس ، وتصح العقول ، وتتحرك الجهود ، وربَّ قولٍ أنفذ من صول .
عدم تحميل الناس أكبر من طاقاتهم ، والحرص على تنمية العمل الفردي ، (والمسارعة الشخصية) ، فرب عامل يعيش بأقل من دولار يوميًا يضيق بمثل ذلك ، ويرى ما هو فيه شغلًا عن الشغل الأكبر الذي تتحمس له !!
إن تداعينا لإصلاح أمة كبرى ، وسيعة الجراح تبدأ من إصلاحنا لأنفسنا ، وتربية الجيل على الفحص الذاتي ، قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ) [ الرعد: 11 ] .
مع تأميننا لحقوقهم وتحسين أرزاقهم وفي ذلك من خصوبة الإعداد وتأهيل الأرواح ، وقضاء الحقوق ما لا يخفى .
وليس من الحكمة إشغالهم بقضايا كبرى ، ومحنٍ طامة ، وهم لم يتجاوزا مشاكلهم الشخصية ، ويلقون دومًا عنَت المعيشة ، وضيق الحريات! فالاقتصاد هنا ، خير مسلك وأعدله .
والله الموفق .
هموم الفقه والدعوة
الفقه الإسلامي واسع الأرجاء ، متعدد المسائل ، كثير الأبحاث والفوائد ، والدعوة بوضعها التراثي ، وهمومها الحالية كالبحر الزاخر الذي يتفاوت موجه من مكان لآخر ، قوةً وضعفًا .
وبعض الخطباء يستطيب ذكر كل شيء ويتناوله من خلال المنبر ، وهذا متعذر ، وإذا بولغ منه أخرج المنبر عن وظيفته ! وليس المنبر مستودع الفقه الثر ، ولا مخزون الدعوة المترامية ، بل يكفي من القلادة ما أحاط بالعنق ، والقصدَ تبلغوا .
خطبة المنبر ساعة أسبوعية ، من المهم استغلالها في مهمات القضايا ، وملحات المسائل عبر الحشد القرآني ، والزخم الحديثي من الآثار والشواهد بالإيضاح والتقرير ، وحسن الربط والتحليل .
وهي بمقدارها الزمني القصير ، لا يمكن أن تستوعب كل شئون الفكر الإسلامي ، أو الإتيان على غالبه بل لابد من منافذ أخرى ، تدعم العملية التثقيفية ، وتلامس كل شئون المسلم وهموم الدعوة ومن ذلك الدروس والمحاضرات ، والقراءة عقب الصلوات والمؤلفات المنشورة .
وينصح كل خطيب جيد ، بإنشاء درس لبعض القضايا الفقهية والعقائدية والدعوية ، التي لا تصلح للمنبر ، ولا يستطيع المنبر تغطيتها بسبب ضيق وقته ، وتسارع الأحداث والقضايا .
ونرى هنا أن من الخطأ اعتقاد صلاحية المنبر لكل القضايا ، أو أنه محتوى كل الأفكار والهموم والأطروحات !
إن المنبر (إشعاعة إيمانية) ، ولفتة تربوية وتبصرة دعوية وتزكية روحية ، تفيض على الناس لطائف ومزاهر وإشراقات ، لكن لا يحيط بكل شيء ، وفي الينابيع الأخرى ما يمكن التزود والارتواء من خلاله بحيث تصبح القضية تكاملية .
كل يؤدي دوره ، ويأخذ من الآخر ما ينسجم معه ، بلا مبالغة أو نقصان ، والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل .
معالم الخطبة النبوية
الرسول صلى الله عليه وسلم أخطب الخطباء وأفصح الفصحاء فلقد جمله الله بمحاسن البيان ، وآتاه جوامع الكلم ، واختُصرَ الكلام له اختصارًا ، وأوتي معه قدره وابتكارًا. ولخطبه الجليلة الشريفة معالم مهمة يجب الاقتداء بها:
الإيجاز البليغ ، وعدم التطويل إلا أحيانًا وله أسبابه وظروفه .
البدء بالتحميد والثناء ، والصلاة على نفسه صلى الله عليه وسلم والتشهد .
الوضوح والبيان ، دون غموض أو تلبيس .
الإثراء القرآني في الخطبة ، بحيث يضفي فيها القرآن جمالًا بمواعظه وقصصه وأسراره ، والصحابية لم تأخذ ( ق ) إلا من فم رسول الله صلى الله عليه وسلم من كثرة قراءتها .
الترسل في الكلمات والجمل ، حيث يحصيها المحصي ، ويعدها العاد.