لكننا نؤكد هنا على أهمية نشر القرآن وتبليغه عبر الخطبة التي تهتم بالآيات البينات، والموضوعات الشيقات ، قراءة وإرشادًا وتدبرًا وتفهيمًا .
وفي الخطبة بالقرآن فوائد منها:
تقريب القرآن للأمة ، وتجديد مكانته في نفوسهم .
وسيلة لتدبره وتفهمه ، إذا انضاف إلى القراءة تبيان وتجلية.
تحقيق معنى الموعظة وإذكائها ، إذ لا موعظة أزكى من كتاب الله تعالى ، قال تعالى: (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا) [الشورى:52] .
إحياء معاني الإيمان في حياة الناس ، والقرآن أجلُّ مقوماتها .
رفع مستوى الخطبة من الإنشاء البشري ، إلى الخطاب الرباني الحكيم.
فقاهة الخطيب
ليست الخطبة سردا للمعلومات ، ولا نشرًا للعظات ، ولا صراخًا وضجيجًا وعويلًا فحسب ، بل إنها إلى ذلك نوع من العلم والموعظة التي توشّى بالفقه ، والحكمة ، وحسن التناول .
وفي قوله صلى الله عليه وسلم الموجز البليغ (مئنة من فقهه) إشارة إلى تفقه الخطيب وعقلانيته في التعامل المنبري .
ويمكن أن نوجز فقاهة الخطيب فيما يلي:
إيجاز الخطبة ، وترك المطولات والمسهبات ، واعتقاد انعكاسها سلبًا وضررًا على الجماهير المتدفقة ، ولو تمتعت بالجودة والإتقان .
مراعاة نفسية الناس ومدى إقبالهم وتفاعلهم، والحذر من تجريحهم والإساءة إليهم .
وقد قال صلى الله عليه وسلم على أعواد منبره (لينتهين أقوام عن ودْعهم الجمعات) .
فلم يعين أحدًا ، ولم يخاطب شخصًا بعينه !!
عدم تحديثهم بما لا يعرفون ولا يعقلون ، لئلا يوقعهم في الحرج أو يجرهم للانفلات .
علاج المشكلات الاجتماعية والمناكر ، بكل حكمة وروية .
العزوف عما قد يثيرهم تجاه المتحدث من انتقاد ، أو شبهة ، أو احتجاج كتضخيم الصغائر ، واستعمال التهويل والمبالغات ، التي تنقلب عكسًا على صاحبها ، وتضعف مكانته عند الناس ، لأن مقتل الرجل بين كفيه ، فليحذر غاية الحذر .
طرح ما ينفعهم ويتلاءم مع مصالحهم دنيا وآخرة ويعود عليهم بالنفع وحسن العاقبة .
ضبط حدة الجماهير ، وتحركاتهم غير المحسوبة ، وإيجاد المسارات المناسبة للأفراد والجماعات .
عدم الاغترار بالحشود المجتمعة ، وتوقع أنها لا تزال تحتاج المزيد من التربية ، والصقل ، والتأهيل ، وأن يتوقع أن هذا الحشد الجارف صورة من إفلاس الأمة خطابيًا ، وأن مثله يعد امتحانًا له ، لكي يجدد نيته ، ويراجع طويته ، ويفعّل تلك المواعظ إلى أعمال وممارسات ومشاريع ملموسة ، وسؤال الله التوفيق والإخلاص في كل ذلك .
الجهاد الخطابي
إن توجه الألوف المؤلفة إلى الجوامع كل أسبوع مشعر بما لهذه الشعيرة من عظمة في حياة المسلمين ، وهذا يتعين على الخطيب الجاد ، مضاعفة الجهد واستشعار أنه في (جهاد فكري) ووعظي أمام خصوم الإسلام ، مثيري الشبه والاتهامات ، وتجاه الانفلات الأخلاقي السافر ، وانتشار الجرائم المتنوعة ، وركود دورة الإيمان ، وتقلص الطاقات ، وفشو صور الهزيمة والفساد والتخلف في أنحاء الأمة.
قال تعالى: (فَلاَ تُطِعِ الكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا) الفرقان:52] .
إن الجهاد الكبير الممارس في الخطابة ، قوامه العلم وحسن التفقه ، والاستعداد الروحي والفكري ، وتحسس المسئولية الملقاة على العاتق ، وأنها أثقل بكثير من مجرد نقل علم ، أو تبليغ خير ، يُقرأ في دقائق سريعة، كلا .. ولكن الجهاد الخطابي والكفاح المنبري ، يوحي بأن المسئولية عظمى ، والأمانة كبرى، والواجب شديد ، والكلمة ثقيلة ، والأمة متطلعة ...
حيث تهفو النفوس ، وتشخص الأبصار إلى منابر المسلمين ، لتسمع ما يقرره الخطباء، وما يشدو به الدعاة والعلماء ، وما يبثونه كل جمعة .
وكل ذلك يؤكد خطورة المنبر ، ومدى عمقه في نفوس الأنام ، مما هو سبيل لإشعال الحس الخطابي ، والوقود الجهادي في نفسية الخطيب ، لكي يعطي المنبر مقامه ، ويقدم له حقه وإجلاله .
(ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى القُلُوبِ) [الحج: 32] .
ومنبر الجمعة من أعظم شعائر الإسلام ، التي لها من الجلالة والهيبة والرسوخ ، والتوهج ، ما يجعله كبيرًا في حياة الداعية إلى الله ، وكل متحدث يرتقيه ليوجه الناس ، ويرقّق قلوبهم ، ويصحح مفاهيمهم .
لهذا فالخطيب الواعي ، يستشعر جهاده الخطابي وأنه في معترك ساخن مع معالم الفساد المنتشرة وبؤر الانحراف ، وبراثن الفكر الأعمى والمتطرف ، التي أسهم الانفجار الإعلامي في تغذيتها وتأجيجها في حياة الجيل ، كما قال تعالى مبينًا كثرة هذا الخبث والضلال (قُل لاَّ يَسْتَوِي الخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الخَبِيثِ) [ المائدة: 100 ] .
والمنبر كلمة طيبة في عالم تفشى فيه الغي والخبث والشذوذ ، فوجب الاستيقاظ والتنبه والمواجهة بكل عزة وحزم وصدق وتوكل .