2-وصف الأخطاء والتحذير منها دون العمق في تحليل أسبابها ، والتفتيش عن مكمن الضعف . فقد أصبح الشعور بالخطأ مشتركًا لدى الأغلب ، لكنهم ينتظرون برنامجًا عمليًا ، وخطوات واقعية . ومن ذلك الحديث المجرد عن الموت والقبر دون ربط ذلك بالواقع . ويشير ابن القيم -رحمه الله- إلى شيء من ذلك ، فيقول:"وكذلك كانت خطبته ، إنما هي تقرير لأصول الإيمان ، من الإيمان بالله ، وملائكته وكتبه ، ورسله ولقائه ، وذكر الجنة والنار ، وما أعد الله لأوليائه وأهل طاعته ، وما أعد لأعدائه وأهل معصيته ، فيملأ القلوب من خفته إيمانًا وتوحيدًا ، ومعرفة بالله وأيامه ، لا كخطب غيره التي إنما تفيد أمرًا مشتركًا بين الخلائق ، وهي النوح على الحياة ، والتخويف بالموت ، فإن هذا أمر لا يحصل في القلب إيمانًا بالله ، ولا توحيدًا له ، ولا معرفة خاصة به ، ولا تذكيرًا بأيامه ، ولا بعثًا للنفوس على محبته والشوق إلى لقائه ، فيخرج السامعون ولم يستفيدوا فائدة ؛ غير أنهم يموتون ، وتقسم أموالهم ، ويبلي التراب أجسامهم ، فليت شعري أي إيمان حصل بهذا ؛ وأي توحيد وعلم نافع حصل به ؟ !" [13] .
3-النقد الشخصي والتصريح بالأسماء ، فهذا خلاف هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - الذي كان كثيرًا ما كان يقول:"ما بال أقوام يفعلون كذك وكذا". أو الغلو والإيغال في التعمية ، فالمنكرات الظاهرة العامة يجب أن تنكر صراحة .
4-مدح من لا يستحق المدح ، والثناء عليه ، كما في بعض المواقف والمشاريع التي يدرك الجميع أنها غير صادقة ، وغير جادة ، أو كانت جادة ؛ لكن الخطيب لا يستطع أن يقول كل شيء ، فلا يستطيع الانتقاد وبيان الخطأ ، فلا يسوغ له الاقتصار على الثناء ؛ لأنه يتضمن التزكية عند الناس ، أما ما يقوله البعض من أن هذا شهادة للمحسن بإحسانه ؟ فهذا مطلوب لكن حين يستطيع أن يشهد بالإساءة والإحسان ، أما حين تكون الشهادة بالإحسان وسيلة لطمس الحقائق ؛ والتلبيس على الناس ، فهذا أمر مرفوض .
5-تأثر الخطيب بعمله الوظيفي . فحين يكون مدرسًا يتحدث كثيرًا عن الإجازات ، والامتحان ، وبدء العام ، وهكذا مَنْ يعمل في ميدان الاحتساب ترى معظم خطبه تدور حول الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وعن المنكرات المتفشية في المجتمعات ، وهذه أمور مطلوبة ؛ لكن هذا شيء وكونها سمة غالبة على الخطيب شيء آخر .
ثامنًا: مقترحات للخطيب:
لعلنا نقترح هاهنا بعض المقترحات للخطيب على أمل أن تساهم في إفادته ، ورفع مستوى خطبته:
1-اللقاء بالخطباء في الحي ، والتنسيق معهم ، والاستفادة المشتركة من المعلومات ، ووجهات النظر ، مما يختصر عليهم كثيرًا من الوقت .
2-وضع صندوق للمقترحات ؛ يشمل موضوعات للخطبة ، وانتقادات ، ومعلومات عن ظاهرة معينة ، ليكون هذا الصندوق حلقة وصل بين الخطيب والمصلين ، وقناة للتفاهم بينهم .
3-اللقاء ببعض فئات المجتمع كالمدرسين ، والطلاب ، والعمال ، والأطباء ، والقضاة ، والعسكريين ، فيستفيد من إطلاعهم على جوانب في المجتمع قد لا يطلع عليها ، ومن التعرف على مشاكلهم ، والتي تمثل عينة من مشكلات يعاني منها الكثير من زملائهم ، إلى غير ذلك مما يفتح للخطيب قنوات أكثر مع المجتمع .
4-الاستفادة من بعض المصلين ، فقد يصلي مع الخطيب أحد طلبة العلم ، أو المثقفين ، أو ممن يمكن أن يستفيد منه ، انتقادًا ، واقتراحًا ، ومعلومات ؛ إلى غير ذلك .
5-وضع"أرشيف"شخصي ، ينظم له معلوماته ، ويمكن أن ينسق مع غيره من الخطباء لتبادل الخبرة ، والمعلومات .
6-الخطيب هو الرجل الوحيد الذي لا يسمع خطبة الجمعة ، ولعله حين يحرص على سماع الأشرطة المسجلة لمشاهير الخطباء يستفيد كثيرًا .
7-القراءة في الكتب المؤلفة في الخطابة وفنها .
8-الترجمة للخطبة إذا كان في المسجد جاليات أعجمية .
تاسعًا: هل سألت نفسك هذا السؤال ؟
ماذا حققت من خلال الخطابة خلال مدة اعتلائك المنبر . هل صححت أخطاء تربوية ؟ هل قمت بحل مشاكل اجتماعية ؟ هلى ساهمت في تعليم الناس أصول العقيدة ، والأحكام التي يحتاجونها في حياتهم ؟
إن هذا السؤال لا يعني فشلك ، أو اتهامك بالتقصير . لكنه سؤال يجب أن تطرحه على نفسك باستمرار مدى قيامك بهذه الأمانة ، ورعايتها .
(1) المبكر وزنًا ومعنى .
(2) متفق عليه من حديث أبي هريرة .
(3) رواه البخاري (877) ، ومسلم (844 845) كلاهما عن حديث ابن عمر .
(4) متفق عليه من حديث أبي هريرة .
(5) متفق عليه من حديث أبي هريرة .
(6) انظر: ( خطبة الجمعة والاتصال بالجماهير ) لمحي الدين عبد الحليم ص (160) فما بعدها .
(7) فن الخطابة ، مع ملاحظة أننا نوافقه على أصل الفكرة دون تفاصيلها .
(8) رواه أحمد وأبو داود (5005) ، والترمذي (2857) .
(9) رواه مسلم (2670) وأبو داود (4608) .
(10) جامع الأصول (11/733) .
(11) صفر 1377 هـ .