6-سلامة اللغة وعدم اللحن ، وقد كان السلف يعتنون باللغة وسلامتها ، وكان اللحن مما يعاب به على المرء فضلًا عن طالب العلم ، وليس ثمة ما يعيب الخطيب ، أو ينقص من قدره ، أن يدرس مبادئ النحو ، أو يبحث عمن يقرأ عليه فيصحح قراءته . قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه-:"تعلموا الفرائض واللحن اللغة والنحو فإنه من دينكم". ويمكن أن يلجأ إلى حل مرحلي بأن يشكل الكلمات التي يرى أنه عرضة لأن يخطئ بها .
خامسًا: بين الارتجال والخطبة من ورقة:
أولًا: نود الإشارة إلى أن هنالك فرقًا بين الارتجال في المصطلح المعاصر ، وعند العرب ، فهو لدى العرب الخطبة من غير إعداد واستعداد ، ولم يكونوا يعرفون الخطبة من الورقة أصلًا ؟ أما في المصطلح المعاصر فيقصد به الخطبة دون ورقة ، ولو أعد الخطيب لتلك الخطبة .
فالارتجال بمعناه عند العرب لا ينبغي أن يسلكه الخطيب فيصعد المنبر ، ويفكر في موضوع الخطبة أثناء الآذان ، أو يفكر وهو في الطريق إلى المسجد ، ومهما علت مكانة الخطيب ، واتسع علمه ، فلا يستغني عن الإعداد والتحضير المسبق ، لكن ما يكثر عنه السؤال ، ويدور حوله النقاش ، أيهما أولى: أن يخطب الخطيب من ورقة ، أو من دون ورقة مع التحضير والإعداد المسبق . والموضوع يحتاج لتفصيل تضيق عنه هذه المقالة لكننا نسجل بعض الملحوظات:
1-الناس يختلفون ويتفاوتون في ذلك .
أ- فبعضهم يحتاج للورقة لتضبط ألفاظه ، فلا يشطح ، ويقول ما يُحسب عليه ، أو تضبط له موضوعه فلا يتشتت به الحديث يمنة ويسرى ، وينسى موضوعه ، أو يضبط له وقته فلا يطيل على الناس .
ب- والبعض يحتاج لرؤوس الأقلام ، والنصوص .
ج- والبعض لا يحتاج لذلك ، ويستطيع أن يستوعب موضوعه ، ويضبط ألفاظه ، ووقته . فإذا كان كذلك فهذا أدعى للتأثير على الجمهور وجلب انتباههم .
2-من لا يجيد الارتجال يستطيع التعود ، بالتدرج ؛ وأفصح الناس قد ولدته أمه وهو لا يجيد النطق بحرف واحد .
3-ليس بالضرورة أن يجعل الخطيب الخطبة دون ورقة هدفًا له ، فقد يخطب من خلالها ، ويفيد الناس ، ويحقق المقصود .
سادسًا: بين الإيجاز والتطويل:
الإيجاز هو السنة . روى مسلم في صحيحه عن أبي وائل قال خطبنا عمار فأوجز وأبلغ ، فلما نزل ، قلنا يا أبا اليقظان لقد أبلغت وأوجزت فلو كنت تنفست ، فقال إني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول:"إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مَئنة من فقهه ، فأطيلوا الصلاة وأقصروا الخطبة وإن من البيان سحرًا".
وعن جابر بن سمرة - رضي الله عنه - قال: ( كنت أصلي مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكانت صلاته قصدًا ، وخطبته قصدًا ) .
وقال أبو بكر -رضي الله عنه- ليزيد بن أبي سفيان - رضي الله عنهما - حين أمّره على جيش إلى الشام:"وإذا وعظتهم فأوجز فإن كثير الكلام ينسي بعضه بعضًا".
وها نحن نرى في عصرنا من يطيل الخطبة حتى يُملَّ الناس . ذكر اللواء محمود شيت خطاب أنه صلى مع خطيب في القاهرة استمرت خطبته ساعة وعشر دقائق ، مع اللحن والخطأ في الآيات ، والأحاديث ، والشعر [12] .
الإيجاز والتطويل نسبي وقد يتطلب الموضوع أحيانًا قدرًا من الإطالة ، أو طبيعة المستمعين . أو من الخطيب ؛ كأن يفد غريب وهو ممن يحب الناس سماع كلامه ؛ فمثل هذه المواقف قد تسوغ فيها الإطالة ويبقى بعد ذلك الإيجاز هو الأصل ، فالإيجاز يزيد مسؤولية الخطيب ؛ إذ سيحتاج لعرض جملة من الحقائق والمعلومات في وقت يسير . وليس صحيحًا أن التحضير يتناسب طرديًا مع وقت الخطبة .
سابعًا: أمور لابد من اجتنابها:
أ- التركيز على سلبيات المصلين ، والحديث عن أخطائهم ، أو استعمال ضمير المخاطب كثيرًا ، وهذا مثل الطبيب الذي يحدث المريض عن مرضه ويبالغ في وصفه وخطورته ؛ إن التركيز على مثل هذا الأسلوب من شأنه أن يحطِّم كل جوانب الأمل لدى المصلي ، مما يجعله يشعر أنه لا يمثل إلا مجموعة من الأخطاء والعيوب ، ومع كثرة النقد وبيان الأخطاء يتلبد إحساسه ؛ فيشعر أن الخطأ أمر طبيعي لا يمكن أن يفارقه . أو أن يشعر أن هذا الخطيب لا ينظر إلا بعين واحدة ، فينصرف عن سماع ما يقول .
إن الخطيب الناجح يستطيع أن يحقق المقصود ، ويعالج الخطأ دون حاجة للانتقاد المباشر للناس ، فحين يتحدث عن إهمال الناس لصلاة الجماعة مثلًا ؛ بإمكانه بدلًا من النقد اللاذع أن يتحدث عن أهميتها ، وفضلها ، ويسوق الأدلة الشرعية على ذلك ؛ ثم يُثَنِّيْ بعناية السلف بها ، ومحافظتهم عليها ، وذمهم من يتخلف عنها ؛ وبعد ذلك يقف عند هذا الحد ، واللبيب يفهم الإشارة ، وفي التلميح ما يغني عن التصريح ، وهذا لا يعني بالضرورة عدم الحديث عن الخطأ أو مجاملة الناس ، لكن هذا شيء ، وما نفعله أحيانًا شيء آخر .