الصفحة 145 من 733

قال ابن قدامة: ولأن سلطان المسلمين إذا صلح كان فيه صلاح لهم ففي الدعاء له دعاء لهم وذلك مستحب غير مكروه . وجوّز الدعاء له في الخطبة القهستاني من الحنفية وتبعه ابن عابدين في حاشيته فقال هذا الكلام بتمامه:ثم يدعو لسلطان الزمان بالعدل والإحسان متجنبًا في مدحه عما قالوا إنه كفر وخسران كما في الترغيب وغيره وقال أيضًا بل لا مانع من استحبابه فيها كما يدعو لعموم المسلمين فإن في صلاحه صلاح العالم . وما في البحر من أنه محدث لا ينافيه فإن سلطان هذا الزمان أحوج إلى الدعاء له ولأمرائه بالصلاح والنصر على الأعداء .

وقال أيضًا: فإن الدعاء لسلطان على المنابر قد صار الآن من شعار السلطنة فمن تركه يخشى عليه ولذا قال بعض العلماء:لو قيل:إن الدعاء له واجب لما في تركه من الفتنة غالبًا لم يبعد كما قيل به في قيام بعضهم لبعض . والظاهر أن منع المتقدمين مبني على ما كان في زمانه من المجازفة في وصفه مثل السلطان العادل الأكرم شاهٍنشاه الأعظم مالك رقاب الأمم ففي كتاب الردة من التاتارخانية سئل الصفار هل يجوز ذلك ؟فقال:لا لأن بعض ألفاظه كفر وبعضها كذب وقال أبو منصور وأما شاهنشاه فهو من خصائص الله تعالى بدون وصف الأعظم لا يجوز وصف العباد به وأما مالك رقاب الأمم فهو كذب اهـ

وقال ابن عابدين أيضًا: قالت في البزازية فلذا كان أئمة خوارزم يتباعدون عن المحراب يوم العيد والجمعة اهـ

وقال أيضًا: وأما ما اعتيد في زماننا من الدعاء للسلاطين العثمانية أيدهم الله تعالى كسلطان البرين والبحرين وخادم الحرمين الشريفين فلا مانع منه والله تعالى أعلم . اهـ .

وقال شمس الدين الرملي من الشافعية: بل يسن ولا بأس كما في الروضة والمجموع بدعاء لسلطان بعينه إذا لم يكن في وصفه مجازفة .

وقال النووي في (المجموع) : وأما الدعاء لسلطان - يعني في الجمعة - فاتفق أصحابنا على أنه لا يجب ولا يستحب وظاهر كلام المصنف وغيره أنه بدعة إما مكروه وإما خلاف الأولى هذا إذا دعاء له بعينه فأما الدعاء للأئمة المسلمين وولاة أمورهم بالصلاح والإعانة على الحق والقيام بالعدل ونحو ذلك ولجيوش الإسلام فمستحب بالاتفاق والمختار أنه لا بأس بالدعاء لسلطان بعينه إذا لم يكن مجازفة في وصفه ونحوها والله أعلم أهـ .

و قال النووي أيضًا: يكره المجازفة في أوصاف السلاطين وكذبهم في كثيرٍ من ذلك كقولهم: السلطان العالم العادل ونحوه اهـ .

وقال الشيخ عبد الله أبا بطين: الدعاء حسن يدعى بأن الله يصلحه ويسدده ويصلح به وينصره على الكفار وأهل الفساد بخلاف ما في بعض الخطب من الثناء والمدح بالكذب وولي الأمر إنما يدعى له لا يمدح لاسيما بما ليس فيه . أهـ .

وفي فتوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء ما نصه: الأفضل إذا دعا الخطيب أن يعم بدعوته حكّام المسلمين ورعيتهم وإذا خص إمام بلاده بالهداية والتوفيق فذلك حسن لما في ذلك من المصلحة العامة للمسلمين إذا أجاب الله الدعاء . أهـ .

19-التزام كثير من الخطباء ببعض الألفاظ في الخطبة على الديمومة:

إن المتتبع لكثير من خطباء المسلمين ليكاد يجدهم متفقين على بعض الألفاظ في الخطب وقلّ أن تترك هذه العادة بل ولربما ظن كثير من العامة أن مثل هذه الألفاظ من صلب الخطبة أو أن الخطبة تكون ناقصة من دون إيرادها أو أن يحصل النكير من بعض العامة إذا تركت وما ذلك إلا لكثرة مداومة الخطباء عليها .

وأذكر على سبيل المثال بعض الألفاظ كقولهم مثلًا:--

1.اختتام الخطبة الأولى بآية وقبل أن يختم بهذه الآية يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم في حين أنه لا يستعيذ في إيراد غيرها من الآيات .

2.المواظبة على ختم الخطبة بقول بعضهم:أقول قولي هذا واستغفر الله .... إلخ

3.قول بعضهم على سبيل الديمومة:هذا وصلُّوا رحمكم الله .... إلخ في آخر الخطبة الثانية . أو جعل محل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الموضع دائما .

4.قول بعضهم في آخر الخطبة على سبيل الديمومة:عباد الله اذكروا الله العظيم يذكركم واشكروه على نعمه يزدكم .... إلخ

فهذه الألفاظ قلّ أن تختفي لدى كثير من الخطباء . والذي ينبغي للخطيب أن ينوع في مثل هذا لئلا يظن الناس أن هذا من الواجب بل إن ترك الشيء لتوضيح الحقيقة مما يجب على المسلم الذي يُقتدى به بل لو ترك السنة أحيانًا إذا ظن بعض الناس من خلال المواظبة عليها أنها من الواجب فإن هذا الترك يكون مشروعًا ومثل هذا منقول عن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله كما في قوله:فإنه إذا ظن العامة أن المواظبة على قراءة السجدة والإنسان في فجر الجمعة من الواجب فإنه يستحب تركها أحيانًا لإزالة هذا اللبس .

وقد قال ابن القيم رحمه الله في مثل هذا أيضًا: ولهذا كره من كره من الأئمة المداومة على قراءة هذه السورة في فجر الجمعة - يعني سورة السجدة - دفعًا لتوهم الجاهلين .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت